البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : دعوات وشبهات أثارها البعض حول نهج البلاغة

الباحث : الشيخ عبـد الرسول الغفاري

اسم المجلة : تراثنا

العدد : 91

السنة :

تاريخ إضافة البحث : March / 2 / 2016

عدد زيارات البحث : 1993

حجم ملف البحث : 201.898 KB

 تحميل

دعوات وشبهات أثارها البعض حول نهج البلاغة
الشيخ عبـد الرسول الغفاري
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة :
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله المؤيّد ، ونبيّه المسدّد ، أبي القاسم محمّـد ، وعلى أهل بيته الهُداة الأكرمين ، وأصحابه الأمناء المنتجبين .
وبعد ، لقد خلّف لنا أمير البيان وسيّد البلغاء بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) تراثاً جمّاً خالداً يزخر بالأفكار والنظرات والدروس والعبر ، وإنّ الوارث لهذا التراث هم الناس جميعاً ، لأنّ كلامه (عليه السلام) ـ بما فيه من خطب ورسائل وكتب وحكم ـ لم يكن موجّها لفريق دون آخر ، أو لأمّة دون أمّة ، بل كان موجّها لكلّ الأفراد والطوائف ، وإنْ كان المعني الأوّل هو الإنسان المؤمن بخالقه ، الموحّد لـه في ذاته وصفاته وأفعاله ، إنّه الإنسان الرسالي أنّى وجد وأنّى حلّ .
فخطابه (عليه السلام) بلسم ، وبيانه ضماد ـ لكلّ جرح ـ ولسانه نبع للعدل والصدق ، وإنّ كلامه (عليه السلام) بكل فصوله وشعبه يمسّ القلوب فيبعث فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 22
الأمل والحياة والطمأنينة .
فليس عجيباً أن تتطاول الأعناق إلى صاحب هذا النبع الزلال ، وتشرئبُّ إليه النفوس طالما خطابه يعمّ الجميع ، إذ هو خالد عند الجميع .
إنّ المتأمّل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يجد فيه التأكيد على صفات الخير والمعروف والنظام ، بل التأكيد على كلّ صفات الكمال وما أكثرها ، لذا جاءت خطبه ورسائله لصنع الرجال الأحرار ، إنّها جاءت ليسمو الإنسان في عالم الفضيلة والمُثل ويتحرّر من أسر المادّة والشهوة المبتذلة . إنّ مضامين كلامه (عليه السلام) تمثّل جوهر الحياة لذا ينبغي على النفوس ومن يهوى الكمال والسير إلى الله سبحانه أن يقتبس من ذلك الجوهر ، فالنّاس بفطرتهم وعلى اختلاف مشاربهم وتنوّع طبقاتهم وتعدّد أجناسهم تعلّقت بكلماته (عليه السلام) أيّما تعلّق .
فما جمعه الشريف الرضي من مختارات كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)على كون ذلك المختار قليلاً إلا أنّه لم يزل يُثير في النفوس الدوافع النبيلة والصفات الخيّرة والأُمنيات الطيّبة .
إنّ نهج البلاغة هو نهج الإنسانية ; بشكله ومضمونه وفصوله . فيه تظافرت الأفكار والرؤى ، وفيه تجلّت روح العدالة والمحبّة والإخلاص ، فلا مناص من الأخذ به ، وتطبيق فقراته ، بل لابدّ من الإذعان الكامل بأنّه المنهاج الصالح للحياة والإنسانية .إنّه نهج الفكر والعقل ، نهج العدالة والسعادة ، نهج الرحمة والكمال ; نهج لم نر مثله في تراثنا الإنساني . ولا عجب لو قيل عنه وعن صاحبه إنّه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، وهذا هو سرّ إعجازه ، وسرّ خلوده .
إنّ المتدبّر في كلام الإمام (عليه السلام) سيرى فيه جانبين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 23
الأوّل منه : الجانب العبادي وما فيه من الروابط بين العبد وخالقه ، وفي مقدّمة تلك الروابط عبودية الإنسان الخالصة لله سبحانه ، وهذه العبودية لن تتحقَّق ما لم يفهم المرء معنى التوحيد ، وقد أبان أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الجانب بشكل دقيق ، وخطبه في ذلك تُعدّ من الأسس أو القواعد الثابتة لعلم الكلام ، ومن الأصول المهمّة في درك المباني العقائدية الصحيحة .
أمّا الجانب الثاني في كلامه (عليه السلام) هو الكشف عن الأبعاد العلمية للحياة الصالحة التي ينشدها كلّ فرد(1) ، والأُسس التي تقود المجتمع إلى السعادة والخير . ممّا دعى الإمام (عليه السلام) أن يتطّرق إلى البعد التربوي والأخلاقي بشكل مكثّف ومتواصل وهكذا تطرّق للبعد التعليمي والسياسي والاقتصادي ، وغيرها من الأبعاد التي تخلق مجتمعاً متماسكاً يعي قدراته ويحترم مسؤولياته ، فالفرد أساس المجتمع ، والشريعة الغرّاء جاءت لتهذيب هذا الفرد ، وإرشاده إلى الطريق السوي كي ينتج من ورائه مجتمعاً سويّاً . وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينأى عن هذا التهذيب والإرشاد .
ولمّا كان هدف الإمام (عليه السلام) هو سلوك الإنسان فقد انصبّ كلامه على هذا المخلوق في سيره التكاملي ابتداءً من مرحلة طفولته وحتى أواخر مراحله الدنيويّة ، بل الاستمرار في توجيهه بشكل يحرز فيه الإنسان حياته الأخروية وفق مرضاة الله سبحانه ، لأنّ الحياة الأبدية هي الآخرة وهي الغاية المنشودة .
إذن هدف أمير المؤمنين (عليه السلام) وطموحاته النبيلة أغنته عن ذكر الملوك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نقل الحياة المثالية لأنّها هي أنشودة النخبة من الناس أو علّية المجتمع .

صفحه 24
والسّلاطين ما خلا بعض كلامه في صدد حقّه المغتصب ، فهو لم يمدح ولم يستعطف أحداً منهم ، ولم يكن قريناً ولا عضداً لذوي النفوذ وأهل الكبرياء والمردة ، بل حذّر الناس منهم ; لكونهم طغاة مفسدين ، ولكونهم دعاة الكفر والتمرّد على نواميس الحياة ثمّ دعا الناس إلى الله ، فكانت دعوته هي دعوة الشريعة الغرّاء إلى التوحيد وتقوية روح العبودية لله سبحانه .
وعليه لم يكن ما نطق به أمير المؤمنين (عليه السلام) تعبيراً عن عاطفة ذاتية مجرّدة عن المثل والقيم الإنسانية ، ولم يمجّد أحداً من الملوك والأكاسرة والفراعنة ، بل كرّس قوله (عليه السلام) في صنع الإنسان وتقوية عزيمته وصبره ليفز بحياة رغيدة ، لذا مدح الفقراء وأثنى على صبرهم وعفّتهم في السرّاء والضرّاء ، وأكّد على حقوقهم التي هي في رقاب الأغنياء ، ثمّ أشاد (عليه السلام)بجهاد الضعفاء والمساكين والوقوف إلى جانبهم لنصرتهم ، ومواساته لهم قولاً وعملاً .
ومن الضروري أن أشير في هذه المقدّمة إلى عدّة أمور :
منها ما يخصّ فصاحة الإمام (عليه السلام) .
ومنها ما يرتبط بعمل الشريف الرضي .
وثالثها ما يخصّ الموضوعات التي تطرّق إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) ، والأمر الرابع دواعي الكتابة في هذا الموضوع .
أمّا الأمر الأوّل : فصَاحته (عليه السلام) :
لا يخفى أنّ شهرة الإمام في الفصاحة والبلاغة هي من المسلّمات بحيث لا يختلف فيه اثنان ، بل حتّى أعداؤه يقرّون له هذه الفضيلة ; فهذا « محقن الضبّي قدم على معاوية فقال : جئتك من عند أعيى النّاس . فقال له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 25
معاوية : يا ابن اللّخناء لعليٍّ تقول هذا ؟ ! وهل سنّ الفصاحة لقريش غيره ؟ »(1) .
وفي بلاغة أمير المؤمنين (عليه السلام) وفصاحته نقل ابن أبي الحديد كلام أبي عثمان عن جعفر بن يحيى وكان من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة ، أنّه كان يتعجّب بقول عليّ (عليه السلام) : « أين من جدّ واجتهد ، وجمع واحتشد ، وبنى فشيّد ، فمهّد وزخرف فنجّد .
قال : أَلاَ ترى أنّ كلّ لفظة منها آخذة بعنق قرينتها ، جاذبة إلى نفسها ، دالّة عليها بذاتها ، قال أبو عثمان : فكان جعفر يسمّيه فصيح قريش »(2) .
وقال ابن أبي الحديد : « واعلم أنّنا لا يخالجنا الشكّ في أنّه (عليه السلام)أفصح من كلّ ناطق بلغة العرب من الأوّلين والآخرين إلاّ ما كان من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله (عليه السلام) وذلك لأنّ فصيلة الخطيب أو الكاتب في خطابته وكتابته يعتمد على أمرين هما مفردات الألفاظ ، ومركّباتها ، أمّا المفردات فأنّ تكون سهلة سلسلة غير وحشيّة ولا معقّدة ، وألفاظه (عليه السلام)كلّها كذلك ، وأمّا المركّبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضّل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التي سمّاها المتأخرون البديع ; من المقابلة والمطابقة وحسن التقديم وردّ آخر الكلام على صدره والترصيع والتكافؤ والتسميط والمشاكلة ، ولا شُبهة أنّ هذه الصفات كلّها موجودة في خطبه وكتبه ، مبثوثة متفرّقة في فرش كلامه (عليه السلام) ، وليس يوجد هذان الأمران في كلام لأحد غيره ، فإن كان قد تعمّلها وأفكر فيها وأعمل رويّته في وضعها وسرّها فلقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 24 ، شجرة طوبى 1 / 61 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 6 / 278 .
صفحه 26
أتى بالعجب العجاب ووجب أن يكون إمام النّاس كلّهم في ذلك لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله ، وإن كان اقتضبها ابتداءً وفاضت عليها لسانه مُرتجلة وجاش بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب وأعجب على كلا الأمرين فلقد جاء مجليا والفصحاء ينقطع أنفاسهم على أثره »(1) .

وأمّا الأمر الثاني :
ما يخصّ عمل السيّد الشريف الرضي (رحمه الله) فقد صرّح في مقدّمة كتاب نهج البلاغة إنّ ما أودعه في هذا الكتاب هو المختار من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذا يعني أنّه لم يورد كلّ ما صدر عنه (عليه السلام) من خطب وكتب ورسائل وحكم . . . وإنّ تأليفه هذا كان لاحقاً لما ألّفه من كتاب في خصائص الأئمّة (عليهم السلام) الذي يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم ، إلاّ أنّه لم يتمّ ، ولمّا استحسن جماعة من الأصدقاء عمله ذاك طلبوا منه أن يختار لهم من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يشمل جميع الفنون من خطب وكتب ومواعظ وأدب . . ، قال رضوان الله تعالى عليه :
« وسألوني ـ عند ذلك ـ أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في جميع الفنون ، ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب . علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية مالا يوجد مجتمعاً في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب . . . إلى أن يقول : . . . فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالماً بما فيه من عظيم النفع ومأثور الذكر ، ومذخور الأجر . . . ورأيت كلامَهُ (عليه السلام) يدور على أقطاب ثلاثة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 41 / 359 .

صفحه 27
أوّلها : الخطب والأوامر ، وثانيها : الكتب والرسائل ، ثالثها : الحكم والمواعظ . فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثمّ محاسن الحكم والأدب »(1) .
ثمّ قال : « ولا أدّعي ـ مع ذلك ـ أنّي أحيط بأقطار جميع كلامه (عليه السلام)حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ ، ولا يندّ نادّ ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي ، وما عليّ إلاّ بذلّ الجهد ، وبلاغ الوسع ، وعلى الله سبحانه وتعالى نهج السبيل ، وإرشاد الدليل إن شاء الله »(2) .

وأمّا الأمر الثالث :
موضوعات نهج البلاغة :
أبرز الموضوعات فيه ، تلك التي تصدّرت كلامه (عليه السلام) ، إذْ خصّ جملة من خطبه في التوحيد وهو يشمل توحيد الله سبحانه في صفات ذاته من السمع والقدرة والحياة والعظمة والجبروت وغيرها من الصفات ، ثمّ توحيده في صفات الأفعال ; كالإحياء والإماتة والرازقيّة ، وفي هذا الباب نجد في كلامه الكثير من المفاهيم العقائدية تندرج هنا .
ثمّ من الموضوعات المهمة في كلامه (عليه السلام) ما يخصّ النبوة والأنبياء والشرائع السابقة ثمّ نبوّة خاتم الرسول محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع بيان ما في القرآن الكريم من الأوامر والإرشادات والنظم التي رسمها الله سبحانه للبشر فهو الثقل الأكبر وإلى جنب هذا جاءت خطب تؤكّد على موضوع الإمامة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 48 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 13 .
صفحه 28
والخلافة ، حيث إنّ أهل البيت هم الثقل الأصغر وهم عدل القرآن الكريم وإنّ الخلافة والإمامة فيهم .
ثمّ لا يخلو كلامه (عليه السلام) من التعرّض لمواقف بعض الصحابة وما في ذلك من الإشارة أو التصريح بالأحداث السياسية التي عصفت بالأمّة الإسلامية حيث تكلّم فيها الإمام (عليه السلام) بشكل صريح يفهمه الجميع .
ثمّ موضوعات أخرى شملت مساحة كبيرة من المفاهيم الأخلاقية والتربوية والاجتماعية كلّها تؤكّد على السير والسلوك .

وأمّا الأمر الرابع :
هو الكلام عن الدواعي التي دفعتنا إلى الكتابة في هذا الموضوع .
فمنذ سنين وأنا أدرّس مادّة ( تاريخ الأدب العربي ) لعصور مختلفة منها العصر الإسلامي والعبّاسي في جامعات عديدة ولسنوات مكرّرة وكانت مادّة ( نهج البلاغة ) هي إحدى المواد المقرّرة في الدراسات الأكاديمية لمرحلتي البكالوريوس والماجستير ، والكلّ يعلم أنّ نصوص هذا الكتاب هي من إنشاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وما كان عمل الشريف الرضي إلا الجمع والتبويب ( فجزاه الله جزاء المحسنين ) وبالتالي فإنّ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)يمثّل أوج البلاغة والفصاحة ، بل هو يمثّل العصر الذهبي للنثر في جميع عصوره ومراحله .
غير أنّ البعض لم يتحمّل هذه الفضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) شأنه كشأن بعض السلف الذي استصغر سنّ الإمام أو غمط حقّه في الخلافة لأنّ المسلمين ـ على زعم أحد الصحابة ـ أبوا أن تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم ، لذا أثار هذا البعض شبهات حول جمع الشريف الرضي وما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 29
أودعه من خطب ورسائل للإمام (عليه السلام) ممّا كان هذا الداعي الأوّل للكتابة ، فوضعت بين يدي القارئ الأدلّة الكافية في توثيق هذه النصوص الشريفة من خلال المصادر التي سبقت عمل الشريف الرضي ، ثمّ الوقوف عند مصادر الخطبة ( الشقشقيّة ) ابتداءً من عصر التدوين وحتّى عصر الرضي . وما عملي هذا إلا كخطوة لنصرة الحقّ والدفاع عن التراث الإسلامي الأصيل وردع أهل الباطل والمغرضين ومن أراد السوء والتوهين بشخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) .
أمّا الدّاعي الثاني : هو ردّ تلك الشبهات التي جاءت مكرّرة على ألسنة عدّة من الكتّاب ، وللأسف الشديد أخذ بعض المتأخّرين يجترّون كلام من سبقهم ، وقد خيّل لهم إنّما جاءوا بفتح عظيم ليس لـه مثيل . . ، إنّها تخرّصات سطّرتها أقلام حاقدة من رجال عرفوا ببغضهم وعدائهم لوصي الرسول وأخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
أمّا الدّاعي الثالث : هو كشف اللثام عن الحقائق التي انطوت عليها الخطبة ( الشقشقيّة ) والأدوار السياسية التي مرّ بها المسلمون بعد رحيل النبيّ الأكرم (عليه السلام) ، وسيرة بعض رجال السلطة في تلك الحقبة السابقة على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 30

تاريخ نهج البلاغة
من الآثار التي يفتخر بها كلّ أديب غيور هو كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)الذي يشمل كلّ من : خطبه ورسائله وكتبه والأمثال والحكم
الصادرة منه .
وقد أجهد الأوائل أنفسهم في أن يجمعوا بعض كلامه (عليه السلام)
في صحائفهم ، بينما حفظ البعض الآخر من كلامه (عليه السلام) الشيء الكثير
عن ظهر قلب ثم تناقلته الأجيال عبر مئات السنين حتّى انتهى الأمر
إلى الشريف الرضي الموسوي الذي حرص كلّ الحرص على أن
يجمع هذا التراث النفيس من مصادر الكتب وأفواه الرجال التي
اهتمّت غاية الاهتمام بكلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
فطلع علينا الشريف الرضي في عام 400 ، للهجرة بكتاب نهج البلاغة
وهو يضمّ 121 خطبة للإمام (عليه السلام) وجملة من رسائله وكتبه للأمراء
والولاة والقضاة الذين أوكل إليهم الإمام (عليه السلام) تلك المناصب
السياسيـة . .
هذا الجهد الذي قدّمه لنا الشريف الرضي لايمكن أن يتغافله أيّ مسلم عربي أو غير عربي ، بل يستوجب على الجميع الشكر والثناء لما صنعه جامعه ، غير أنّ الذي لا يطيق رؤية ضوء الشمس ينكر هذا النور الشاخص بنفسه .
ففي سنة 681 هـ ، نرى شمس الدين أحمد بن خلّكان الأربلي البرمكي أوّل من شكّ في نهج البلاغة ، ثمّ تبعه الصفدي في الوافي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 31
بالوفيات(1) واليافعي في مرآة الجنان(2) ثمّ تبعهم ابن تيمية في منهاج السنة(3) المتوفّى سنة 728 هـ ، والذهبي صاحب ميزان الاعتدال المتوفّى سنة 748 هـ(4) ثمّ جاء المعاصرون ليقتفوا آثار مَن سبقهم حيث شكّكوا في نسبة نهج البلاغة إلى الإمام (عليه السلام) وكان في طليعتهم جرجي زيدان الذي أثار الشكّ في كتابه آداب اللّغة العربية(5) ، ومحمّـد كرد علي في كتابه الإسلام والحضارة العربية(6) وطه حسين الذي عرف بمنهجه المتميّز وهو الشكّ في كلّ شيء ابتداءً من التراث الأدبي العربي إلى القرآن ، ولولا مواقف الأزهر لأدّى بنا طه حسين إلى كارثة كبيرة لا يحمد عقباها . غير أنّ طه حسين أسّس مدرسةً اتّبعها تلامذته ومريدوه فذابت شخصيّتهم الأدبية والعلمية بشخصية أستاذهم وفي مقدّمتهم أحمد أمين في فجر الإسلام(7) ، فهو أوّل من رفع صرخاته بالشكّ في نهج البلاغة . ثمّ تبعه الدكتور شوقي ضيف فراح يدوّي بكتاباته الأدبية متّبعاً خطى أستاذه هو الشكّ في نهج البلاغة ، خاصّة في كتابه : الفنّ ومذاهبه في النثر العربي(8) .
وممّن شكّ في النهج : الأستاذ أحمد حسن الزيّات في كتابه تأريخ الأدب العربي(9) ، ومحمّـد سيّد كيلاني في كتابه أثر التشيّع في الأدب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي بالوفيات 2 / 375 .
(2) مرآة الجنان 3 / 55 .
(3) منهاج السنة
(4) مرآة الجنان 1 / 101 .
(5) تاريخ آداب اللّغة العربية 1 / 218 .
(6) الاسلام والحضارة العربية 2 / 61 .
(7) فجر الإسلام : 148 .
(8) انظر : الفن ومذاهبه في النثر العربي .
(9) تاريخ الأدب العربي : 187 .
صفحه 32
العربي(1) ، ولا ندري إلى أين سينتهي إليه منهج الشكّاكين في تراثنا العربي والإسلامي ، فقد تمادى هذا الفريق حتّى تطاول إلى القرآن والسنّة النبويّة بل أراد البعض هدم صرح الإسلام وتراث المسلمين الذي شيّده رجال الدعوة إلى الله وعلى رأسهم النبيّ محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا عجب أنْ يثور فريق من المسلمين لينتصر إلى تراثه ومبادئه ، ويصدّ الفريق الأوّل ومنهجه السقيم القائم على الشكّ ، وهذا الفريق المنتصر قد أشار إلى بلاغة الإمام (عليه السلام)إشارة سريعة تتناول كلّ ما عرف عنه (عليه السلام) من نثر بليغ ، نذكر من هذا الفريق المدافع : سبط ابن الجوزي ، ومحمّـد بن طلحة الشافعي ، وعبـد الحميد الكاتب وهذا الأخير هو القائل : « ما تعلّمت البلاغة إلاّ بحفظ كلام الأصلع »(2) .
والبعض الآخر : اختار قطعاً ونصوصاً كثيرة وبليغة من كلام الإمام (عليه السلام) فحفظها أو دوّنها كالجاحظ ، والخطيب الخوارزمي ، وأبو الفتح الآمدي ، وابن نبات المصري وهذا الأخير هو القائل : « حفظت مئة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب (عليه السلام) »(3) .
وفريق ثالث : اعتنى بكلام أمير المؤمنين ؟ عناية فائقة واهتمّ بشرح خطبه ورسائله ، منهم ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي ، إذ فاق جميع مَن سبقه حين شرح النهج ، واعتبر كلام الإمام علي (عليه السلام) في المرتبة الثانية لكلام الله وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أثر التشيّع في الأدب العربي : 57 .
(2) نظرات في الكتب الخالدة : 177 .
(3) انظر : شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 24 ، والفوائد الرجالية 2 / 119 ، والكنى والألقاب 1 / 217 .

صفحه 33
وهناك فريق رابع : وهم طائفة من جهابذة الأدب والشعر من المعاصرين قد أُعجبوا أيّما إعجاب بنهج البلاغة ، منهم : العلاّمة الأديب الشيخ محمود شكري الآلوسي ، والشيخ ناصيف اليازجي ، ومحمّـد حسن نائل المرصفي ، والدكتور زكي مبارك ، وأمين نخلة ، وعبّاس محمود العقّاد ، ومحي الدين عبـد الحميد وآخرون يطول الكلام على ذكرهم .
المؤلّفون في تأريخ نهج البلاغة
ممّن ألّف في تاريخ نهج البلاغة جملة من الأعلام والأُدباء ، في طليعتهم كلّ من :
1 ـ الشيخ هادي آل كاشف الغطاء له كتاب : مدارك نهج البلاغة .
2 ـ الإمام السيّد هبة الدين الشهرستاني له كتاب ما هو نهج البلاغة ؟ إذْ بحث فيه تاريخ نهج البلاغة وقيمته العلمية والأدبية .
3 ـ الأستاذ حسين بستانة له بحث رائع تعرّض فيه إلى الشبهات الحائمة حول النهج نشرته مجلّة الاعتدال النجفية في عددها الرابع من سنّتها الخامسة .
4 ـ الأستاذ امتياز علي عرشي له كتاب في سند خطب أمير المؤمنين ؟ سمّاه استناد نهج البلاغة باللغة الأردوية ونقله إلى العربية الأستاذ عامر الأنصاري ونشرته مجلّة ( ثقافة الهند ) التي يصدّرها مجلس الهند للروابط الثقافية بعددها الرابع من المجلّد الثامن في ديسمبر سنة 1907
5 ـ العلاّمة السيّد عبـد الزهراء الحسيني الخطيب له كتاب مفصّل في أربع مجلّدات سمّاه مصادر نهج البلاغة وأسانيده .
6 ـ عبـد الله نعمة له كتاب مصادر نهج البلاغة وقد سبق الجميع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 34

ـ من ذكرناهم آنفاً ـ كلّ من ابن النديم ، والنجاشي ، والطوسي ، وياقوت الحموي وحاجي خليفة وابن الأثير وسبط ابن الجوزي وأبي القاسم النجفي ، وأغا بزرك الطهراني والعلاّمة السيّد محسن الأمين العاملي .

المشتغلون في جمع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)
لم يكن الشريف الرضي أوّل من جمع كلام الإمام علي (عليه السلام) وخطبه ، فقد سبقه إلى ذلك من كان هو أقرب زمانا وأكثر التصاقاً بالإمام نذكر منهم :
1 ـ نوف بن فضالة البكالي ، نسبة إلى بني بكال ، حاجب أمير المؤمنين (عليه السلام) .
2 ـ ضرار بن ضمرة الضبائي ، مولى أمّ هاني بنت أبي طالب .
3 ـ الحارث الأعور الهمداني ، المتوفّى سنة 65 هـ .
4 ـ كميل بن زياد النخعي ، الشهيد ، قتله الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 83 هـ . .
5 ـ شريح القاضي المتوفّى سنة 87 هـ .
6 ـ زيد بن وهب الجهني المتوفّى سنة 96 هـ . جمع خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمُعات والأعياد .
7 ـ الأصبغ بن نباتة المجاشعي المتوفّى بعد المئة الأولى .
قال ابن واضح اليعقوبي المؤرّخ المتوفّى سنة 292 هـ : « كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) مشتغلاً أيّامه كلّها في الحرب . . . وحفظ النّاس عنه الخطب ، فإنّه خطب بأربعمائة خطبة حفظت عنه ، وهي التي تدور بين النّاس »(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مشاكلة الناس لزمانهم : 15 .
صفحه 35
وأحصى العلاّمة المسعودي المتوفّى سنة 346 هـ ما كان محفوظاً من خطبه (عليه السلام) فقال : « والذي حفظ الناس من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة »(1) .
وقال سبط ابن الجوزي الحنفي : « أخبرنا الشريف أبو الحسن علي بن محمّـد الحسيني بإسناده إلى الشريف المرتضى قال : وقع إليّ من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعمائة خطبة »(2) .
وقال القطب الراوندي : « سمعت بعض العلماء بالحجاز ، يقول : إنّي وجدت في مصر مجموعاً من كلام عليٍّ (عليه السلام) في نيف وعشرين مجلّداً »(3) .
هذه النصوص تقودك إلى كون نهج البلاغة ـ بجمع الشريف الرضي ـ لا يشكّل اِلاّ عشر أو دون العُشر من كلام الإمام علي (عليه السلام) حيث المذكور من كلامه (عليه السلام) في نهج البلاغة هو 121 خطبة ، وهي أقلّ بكثير ممّا ذكره القطب الراوندي ، وسبط ابن الجوزي .
وممّا يستدلّ على أنّ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان بعضه مدوّناً عند أناس سبقوا الشريف الرضي ما أشارت إليه كتب الفهارس من مصنّفات منها :
1 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية عن الصادق (عليه السلام) برواية فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة انتقلت هذه النسخة المدوّنة إلى السيِّد علي بن طاووس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب 2 / 431 ، شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 5 ، ونهج السعادة 1 / 12 .
(2) تذكرة الخواص : 128 .
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن ميثم البحراني ـ 1 / 101 .

صفحه 36
2 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمسعدة بن صدقة العبدي من علماء الجمهور كان هذا الكتاب موجوداً عند السيّد هاشم البحراني المتوفّى سنة 1107 هـ .
3 ـ الخطبة الزهراء لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهذا النصّ المدوّن من جملة الكتب التي رواها أبو مخنف ، لوط بن يحيى المتوفّى سنة 157 هـ ، وقد اعتمد الطبري على مرويّات أبي مخنف .
4 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذه الخطبة أوردها ابن عبـد ربّة في العقد الفريد ـ م 2 ص136 لإسماعيل بن مهران السكوني الكوفي .
5 ـ كتاب خطب عليٍّ (عليه السلام) لهشام بن محمّـد بن السائب الكلبي المتوفّى سنة 206 هـ .
6 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) برواية محمّـد بن عمر الواقدي الأسلمي المتوفّى سنة 207 هـ رواه الشيخ أبو غالب الزراري عنه .
7 ـ كتاب الملاحم للإمام (عليه السلام) تصنيف أبي يعقوب إسماعيل بن مهران السكوني من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) .
8 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي الخير صالح بن أبي حمّاد سلمة الرازي . ممّن لقي ألأئمة الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) .
9 ـ مئة كلمة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع شرحها لقاضي القضاة لدى الفاطميّين أبي حنيفة النعمان المصري المتوفّى سنة 363 هـ .
10 ـ كتاب الخطب لمحمّـد بن عيسى بن عبـد الله بن سعد الأشعري القمّي عاصر الإمام الرضا (عليه السلام) وروى عن الإمام الجواد (عليه السلام) .
11 ـ كتاب خطب عليٍّ (عليه السلام) وكتبه إلى عمّاله لأبي الحسن علي بن محمّـد بن عبـد الله المدائني ، المتوفّى سنة 225 هـ أو سنة 215 هـ ذكره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 37
ابن النديم .
12 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) للسيّد عبـد العظيم الحسني ، من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) .
13 ـ كتاب خطب علي لنصر بن مزاحم المنقري صاحب كتاب وقعة الجمل ، المتوفّى سنة 212 هـ .
14 ـ كتاب خطب الإمام علي (عليه السلام) لأبي أحمد عبـد العزيز بن يحيى بن عيسى الجلودي الأزدي البصري المتوفّى سنة 332 هـ وللجلودي هذا عدّة مصنّفات تناهز على الثلاثمائة منها تخصّ ما نحن فيه .
15 ـ كتب المغازي والحروب والأخبار والسير حيث اشتملت على كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وخطبه ، وهي أكثر من خمسمائة مصنّف وتوفّي أصحابها قبل أن يولد الشريف الرضي بعشرات السنين .
16 ـ كتاب رسائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لإبراهيم بن محمّـد بن سعيد بن هلال الثقفي المتوفّى سنة 283 هـ .
17 ـ كتاب رسائل عليٍّ (عليه السلام) .
18 ـ كتاب ذكر كلام عليٍّ (عليه السلام) في الملاحم .
19 ـ كتاب مواعظ الإمام عليٍّ (عليه السلام) .
20 ـ كتاب قوله (عليه السلام) في الشورى .
21 ـ كتاب الدعاء عن الإمام (عليه السلام) .
22 ـ كتاب بقية رسائله وخطبه وأوّل مناظراته (عليه السلام) .
23 ـ كتاب بقية مناظراته .
24 ـ كتاب ما كان بين عليٍّ (عليه السلام) وعثمان من الكلام .
25 ـ كتاب الخطب لأمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي إسحاق النهمي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 38
إبراهيم بن سليمان الكوفي الخرّاز يرويه عنه النجاشي بثلاث وسائط ، آخرها حميد بن زياد الكوفي المتوفّى سنة 310 هـ
26 ـ كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) لإبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري .
27 ـ كتاب أبي العبّاس يعقوب بن أبي أحمد الصيمري الذي جمعه من كلام عليٍّ (عليه السلام) إلى معاوية .
28 ـ خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) مع شرحها لقاضي القضاة لدى الفاطميّين أبي حنيفة النعمان المصري المتوفّى سنة 363 هـ(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه جملة من أسماء العلماء والأُدباء الذين افردوا مصنّفات خاصّة في خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وكتبه ورسائله وللمزيد راجع الذريعة 7/187 ومنتهى المقال : 59 وفهرست الشيخ الطوسي : 34 وفهرست ابن النديم : 147 .

صفحه 39

دعوات وشبهات
أثارها البعض حول نهج البلاغة
يُعدّ نهج البلاغة من عيون الأدب العربي الخالدة ، إذ امتاز بإعجاز وبلاغة لا نظير لها فهو عظيم في مادّته ، ورفيع في إسلوبه ، وشامل في مواضيعه وصادق في رؤيته ، إنّه نصّ متماسك يهدف إلى بناء حضارة إنسانية مُثلى ، وهو بهذا السبك لا يبلغ أحد شأوه ولا يرقى إليه أديب مهما أوتي من بلاغة وفطنة . .
مع كلّ هذا وكما ذكرنا سابقاً فإنّ زمرة من المؤرّخين ; من قدامى ومحدّثين قد شكّكوا في نسبة ما في نهج البلاغة إلى الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، بل تجاوز بعضهم إلى القول بأنّ جميع أو بعض نهج البلاغة منحول موضوع على أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنكروا الصلة بين النهج وبين الإمام عليٍّ (عليه السلام) متشدّقين بأسباب عديدة ـ واهية ـ يزعمون أنّها مدعاة للشكِّ أو القول بأنّه منحول .
فمن القدامى ابن خلّكان ثمّ تبعه اليافعي في مرآة الجنان(1) ، والصفدي في الوافي بالوفيات(2) والذهبي في ميزان الاعتدال(3) ، وابن حجر في لسان الميزان(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مرآة الجنان 3 / 55 .
(2) الوافي بالوفيات ، ترجمة الرضي 2 / 375 .
(3) ميزان الاعتدال 1 / 101 .
(4) لسان الميزان 4 / 223 .
صفحه 40
ومن المتأخّرين جرجي زيدان في آداب اللغة العربية(1) ، وأحمد أمين في فجر الإسلام(2) ومحمّـد كرد علي في الإسلام والحضارة العربية(3) ، وأحمد حسن الزيّات في تاريخ الأدب العربي(4) ، ومحمّـد سيّد گيلاني في كتابه أثر التشيّع في الأدب العربي(5) ، وآخرون كطه حسين وشوقي ضيف . . وأخيراً الدكتور نايف معروف في كتابه الأدب الإسلامي في عهد النبوّة وخلافة الراشدين(6) .
أما دواعي الشكّ عند هؤلاء فيمكن حصرها بما يلي :
1 ـ تشبّث البعض بالكمِّ الذي هو عليه نهج البلاغة فهو يشمل قدراً كبيراً من الخطب والرسائل وهذا ممّا يتعذّر حفظه .
2 ـ وآخرون تذرّعوا بالخطب الطويلة ، فقالوا إنّ التطويل غير مألوف عند البلغاء ، كخطبة القاصعة ، والأشباح ، والعهد الذي كتبه لمالك الأشتر عندما أرسله الإمام والياً إلى مصر .
3 ـ اشتمال بعض كلامه على التعريض بالصحابة والطعن عليهم كما في خطبة الشقشقية ، لذا قال بعضهم إنّ نهج البلاغة منحول على أمير المؤمنين (عليه السلام) .
4 ـ في بعض خطبه إنباء بالغيب ، إذ أخبر عن إمور وقعت بعد عصره (عليه السلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ آداب اللغة العربية 1 / 218 .
(2) فجر الإسلام : 149 .
(3) الإسلام والحضارة العربية 2 / 61 .
(4) تاريخ الأدب العربي : 187 .
(5) أثر التشيع في الأدب العربي : 57 .
(6) الأدب الإسلامي في عهد النبوّة وخلافة الراشدين : 55 .

صفحه 41
5 ـ في بعض الخطب جاء فيها ذكر الوصي والوصاية ، وهذا المصطلح ـ على حدّ زعمهم ـ لم يظهر إلاّ بعد استشهاده .
6 ـ في خطب عديدة من النهج تعرّض فيها الإمام (عليه السلام) إلى الزهد والموت وهذا ناتج من تأثير المسلمين بالنصارى وأهل التصوّف .
7 ـ في بعض خطب النهج تقسيم المعاني والمسائل إلى أصناف كتقسيم الاستغفار إلى ستّ معان ، والصبر إلى أربعة أقسام .
8 ـ بعض ما في النهج جاء الكلام في وصف الحيوانات إذ اشتمل هذا الوصف على معان دقيقة بإسلوب لم يعرف إلاّ في العصر العبّاسي ، كوصف الطاووس ، فمتى رأى الإمام (عليه السلام) الطاووس حتّى يصفه ؟ ثمّ هناك وصف للجراد والقمّل والخفّاش والنمل .
9 ـ إنّ النهج قد اشتمل على سجع منمّـق وصناعة لفظية لم تبرز إلاّ في العصر العبّاسي .
10 ـ في جملة من خطب نهج البلاغة صيغ فلسفية ومفاهيم كلامية لم تعرف إلاّ في العصر العبّاسي ، أي في أوائل القرن الثالث الهجري وذلك حينما ترجمت الكتب اليونانية والفارسية والهندية إلى اللغة العربية .
11 ـ الكثير من أهل اللغة والأدب لم يستشهدوا بـ : نهج البلاغة .
12 ـ اتسمت بعض رسائل الإمام (عليه السلام) وكتبه بالإسهاب والتفصيل ، ولمّا كان الورق غير متوفّر في عصر الإمام (عليه السلام) بل كانوا يكتبون على الجلود والعظام واللخاف والبردي وعسب النخيل ، إذاً من البعيد أن يكتب الإمام (عليه السلام) عهده للأشتر بهذا الإسهاب .
13 ـ ادّعى البعض أنّ ما في نهج البلاغة قد يعزى بعضه إلى أدباء سبقوا الإمام علي (عليه السلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 42
14 ـ في بعض خطب النهج وصف دقيق للحياة الاجتماعية من جهة ، وطعن على الولاة والقضاة من جهة أخرى ، وكلا الأمرين لم يعرف بعد وإنّما هو من سمات العصر العبّاسي .
15 ـ في النهج خطب طال في صدرها الحمد والثناء ، وهذا لم يُعرف بعدُ إلاّ في العصر العبّاسي ، وبالخصوص في خطب الجُمع والأعياد .
16 ـ ادّعى البعض أنّ خطب نهج البلاغة لو كانت صادرة من الإمام (عليه السلام) لكانت موجودة قبل تصنيف السيّد الرضي (رحمه الله) .
هذه هي شبهات القوم التي أثاروها حول نهج البلاغة ، ونحن آلينا على أنفسنا أن نختصر البحث ونجعله موجزاً آملين أن نبحثه بشكل مفصّل في مناسبة أخرى ، ولكن هذا لا يعني أنْ نترك المقام بدون أجوبة تصلح ردّاً على تلك الشبهات والشكوك .
جواب الشّـك الأوّل : إنّ العرب منذ عصرهم الجاهلي وإلى عدّة قرون من عصرهم الإسلامي كانوا يعتمدون الحفظ بدلاً من الكتابة ، بل وكانوا يأنسون بحافظتهم القوية التي استودعت قلوبهم دواوين العرب وأيّامهم ومآثرهم ، وهو شأن كلّ أُمّة تسيطر عليها البداوة والأمّية .
فقد امتاز العرب قبل الإسلام وبعده بقوّة حافظتهم وسرعة خاطرهم ، وقد اعتمد المؤرّخون في عصر التدوين على أولئك ورووا عنهم أيّام العرب ووقائعها ، فهي رواية الخلف عن السلف ، ولولا الحفظ والحفّاظ لضاع الكثير من تاريخ العرب ; إنّه تاريخ لحقبة طويلة من الزمان .
ثم إنّ النهج قد ضمّ ( 242 ) خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) و( 78 ) كتابا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 43
ورسالة و( 498 ) حكمة ومثلا وهذا المقدار لا يساوي إلا العُشر من كلام الإمام عليٍّ (عليه السلام) وأنّ حفظه ما أيسره لأبناء ذلك العصر . في الوقت الذي نجد اليوم صغار السنِّ يحفظون القرآن وهم دون السنِّ العاشرة والسابعة . . فما بالك بأبناء القرن الأوّل الذين حفظوا القصائد الطوال والتاريخ المفصّل عن العرب ووقائعها وأيّامها ؟ !
أضف إلى ذلك أنّ الذي حفظ النهج لم يكن واحداً ولا اثنين ولا ثلاث بل هم بالعشرات ، وأنّ لكلّ واحد كان له نصيب من الحفظ فالبعض حفظ خطبة أو خطبتين أو رسالة أو عهداً أو كتاباً والآخر حفظ هذه الخطبة أو تلك وهلمّ جرّاً ، وبمعنى آخر لم يدّع أحد أنّه حفظ جميع ما ضمّه النهج بين دفّتيه فأيّ إشكال في تظافر مجموعة من النّاس في كلّ زمان أن يحفظوا ما تيسّر لهم أو الذي طمحت إليه أنفسهم فحفظوها ، فيتمّ بمجموع ما حُفظ مجموع النهج .
ومثال واحد يميط اللثام عن تلك الشكوك ، ذلك أنّ عبـد الحميد الكاتب كان يحفظ سبعين خطبة من خطب الإمام عليٍّ (عليه السلام) وأنّ ابن نباتة كان يحفظ مئة فصل من مواعظ أمير المؤمنين (عليه السلام) .
ثمّ لا يخفى عليك أنّ رسائل الإمام (عليه السلام) وكتبه وبعض خطبه كانت مكتوبة مدوّنه وهذا ممّا يسهِّل بقاءها والاحتفاظ بها ، وما كان كذلك لا يصعب حفظه .
هذا وقد ذكر أكثر من مؤرّخ أنّ خطبة الإمام (عليه السلام) في الجهاد ، ـ أنّه باب من أبواب الجنّة ـ كانت مكتوبة بخطّه (عليه السلام) ، وأمر غيره بإلقائها على النّاس(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأخبار الطوال : 195 ، شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 145 نقلاً عن كتاب الغارات للثقفي ، وسفينة البحار 1/396 برواية الاصبغ بن نباتة 2/466 .
صفحه 44
ونقل ابن قتيبه الدينوري في صفحات عديدة من كتابه : الإمامة والسياسة المكاتبات بين الإمام عليٍّ (عليه السلام) ومعاوية ، وبين عليّ (عليه السلام) وعمّاله ، وبين معـاوية وأصحابه(1) فماذا تعني تلك الكتب ؟ ألم يكن هناك وفرة من الورق والقرطاس ، وإلاّ ماذا تفسّر هذه الكتب الصادرة من الإمام عليٍّ (عليه السلام)أومن عمّاله أو من خصُومه من هنا وهناك سواء كان مبدأُها العراق أو الشّام أو مصر أو بلاد فارس . . ؟ !
وعليه فإنّ جميع تلك الخطب والرسائل والكتب قد حفظها الناس تباعاً ، يقول المسعودي :
« والذي حفظ الناس عنه من خطبه (عليه السلام) في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة وتداول الناس ذلك عنه قولا وعملاً »(2) .
وفي الإطناب يقول الدكتور زكي مبارك : « وسحبان وائل الذي عرف بالتطويل وأنّه كان يخطب أحياناً نصف يوم ، أثرت عنه الخطب القصيرة الموجزة ، وذلك يدلّ على أنّ الفطرة كانت غالبة على ذلك العصر ، وأنّ القاعدة المطّردة لم تكن شيئاً آخر غير مراعاة الظروف ، ورسائل عليّ بن أبي طالب ، وخطبه ، ووصاياه ، وعهوده إلى ولاته تجري على هذا النّمط ، فهو يطيل حين يكتب عهداً ليبيّن فيه ما يجب على الحاكم في سياسة القطر الذي يرعاه ، ويوجز حين يكتب إلى بعض خواصّه في شيء معيّن لا يقتضي التطويل »(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 154 ما كتبه (عليه السلام) لأهل العراق .
(2) مروج الذهب 2 / 431 .
(3) النثر الفنّي ـ زكي مبارك 1 / 95 .

صفحه 45

أمّا الشكّ الثاني : وهو ما يتعلّق بالخطب الطويلة فإنّ حفظها ووعيها متعذّر وهكذا قل عن العهد الذي بعثه (عليه السلام) إلى الأشتر هذا الشكّ أورده الگيلاني في كتابه : أثر التشيّع في الأدب العربي(1) .
وردّنا عليه من وجوه :
أوّلاً : إنّ العهد الذي بعثه الإمام (عليه السلام) للأشتر كان مكتوباً فمن السهل حفظه ووعيه .
ثانياً : إنّ الكثير من الناس يحفظون اليوم القرآن الكريم عن ظهر قلب والذي يناهز على 600 صفحة .
ثالثاً : إنّ هناك خطباً طويلة لملوك وأمراء قد حفظها الناس كخطبة ( هرمز ) ملك الفرس قبل بعثة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد رواها الدينوري في الأخبار الطوال(2) ، وكتاب طاهر بن الحسين إلى ولده محمّـد قد بلغ مئة وتسعة وثلاثين سطراً قد ذكره ابن خلدون في مقدّمته .
رابعاً : إنّ العهد الذي كتبه الإمام (عليه السلام) إلى الأشتر واليه على مصر تضمّن مجموعة قوانين قد سنّها أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وأمر واليه أن يجعلها نصب عينيه لأنّها عبارة عن بنود تشريعية تنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم ، أو قل علاقة الحاكم بالمسؤولين من القضاة والقوّاد وجباة الأموال والجند وغيرهم ممّن له عمل إداري أو رسمي .
وهكذا تنظيم علاقة الحاكم بالرعية والذي منهم العامل والتاجر والفلاح .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أثر التشيّع في الأدب العربي : 56 .
(2) الأخبار الطوال : 77 .

صفحه 46
وعليه فلابدّ من أن تنظّم جميع هذه العلاقات على ضوء الشريعة الغرّاء ، ولأنّ الظرف السياسي في ذلك العصر يتطلّب ذلك .

وأمّا الشكّ الثالث : إنّ في بعض خطبه (عليه السلام) تعريض بالصحابة والنيل منهم كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ومعاوية وعمر بن العاص وأضرابهم . كأنّما القائل به نسي الأحداث التي كانت على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والحروب والغزوات التي وقعت ، وكأنّما حجب عينيه وأصمّ أذنيه عن عشرات الآيات التي نزلت في حقّ البعض من الصدر الأوّل ، فمن المخاطب بتلك الآيات ؟ ! أليس هم ممّن يدّعون الصُحبة ؟ ! وهل غابت عن ذلك المشكّك تلك الآيات فلينظر ويراجع فيمن نزلت : النساء / آية 93 ، والبقرة / آية 159 ، والتوبة / آية 67 ، والأحزاب / آية 57 و68 ، وسورة محمّـد / آية 23 ، والفتح / آية 6 ، والنور / آية 23 و7 ، والأعراف / آية 44 ، والرعد / آية 25 ، والإسراء / آية 60 ، فإنّ جُلّ هذه الآيات تتعرّض لبعض من يدّعي الصحبة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
إذن هل جميع الصحابة في منزلة واحدة من التقديس والتقدير ؟
وقد ورد قوله سبحانه : ( إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )(1) ، إنّما التفاضل هو بالتقوى ، وبالأعمال الصالحة .
فهل غاب عن أولئك جريمة خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة وتَزوّج بامرأته في ليلتها ؟ !
وإلاّ فلماذا عزله عمر بن الخطّاب ؟ !
وهل غاب عنهم الدماء التي جرت في حرب البصرة وكان سببها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات 49 : 13 .
صفحه 47
طلحة والزبير و . . .
أو أنّه غاب عنهم الدماء التي جرت في صفّين وكان سببها معاوية وعمرو بن العاص و . . .
عجباً لهؤلاء الذين يقرأون ـ في بطون الكتب وصفحات التاريخ ـ الأخبار المفصّلة عمّا جرى في صدر الإسلام من أحداث السقيفة والحروب والغزوات التي حدثت في الصدر الأوّل من تاريخ الحكومة الإسلامية وبالخصوص الأحداث التي جرت في زمن حكومة عثمان بن عفّان ، أنّهم يقرأُون كلّ هذا ومع ذلك يستثقلون كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) . . !
كأن لم يكن هناك انحراف ، واعتداء ، وغصب ، وسلب الأموال وقتل الأبرياء ؟ !
فهناك ظلم الحكّام والأمراء ، وارتشاء القضاة وسوء سريرتهم ، وهناك الفسق والفجور ، وشيوع الخمرة في وسط الأمراء الذين نصّبهم عثمان ، وحادثة والي الكوفة لا تغيب عن الأنظار إذ شرب الخمر وصلّى بالمسلمين صلاة الصبح أربع ركعات ، وألقى ما في رأسه في المحراب ، ثمّ هناك الغصب ، وسرقة أموال المسلمين ، والتمادي في الظلم ، واللعب بمقدّرات المسلمين ، كلّ ذلك تجده في كتب التاريخ والسيرة ، مضافاً إلى ذلك الفقر المتفشّي بين النّاس ، والتذمّر من الوضع السياسي الخانق ، حتّى أدّى ذلك إلى إراقة الدماء ، وهتك الأعراض ، وسلب الأموال . . .
ألا تكون هذه الحالة مدعاة للإمام (عليه السلام) أن يقف أمام كلّ هذا الإضطراب فينصح الوالي والحاكم وقائد الجند والعاملين على الخراج وجباية الزكواة . . ؟ !
أليس من شأن الإمام (عليه السلام) أنْ يصلح ما فسد من أمور الناس ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 48
فكيف والحال هذه لا يتكلّم الإمام (عليه السلام) بما يرضي الله ؟ أليس من وظائفه الشرعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ أليس من وظائفه الجهاد في سبيل الله ؟ والجهاد على أقسام منه بالسيف ومنه بالكلمة وهذا قطعاً يستوجب على الإمام أن يُعرّض بالصحابة الذين تصدّوا للحكومة .
لهذا تجده (عليه السلام) ناصر الفقير والمظلوم ، وناهض الجائر الغشوم ورفع صوته بوجه الطغاة والخونة من الولاة ، فلا عجب أن يتطرّق (عليه السلام) لسير الأحداث وما قامَ به مَن سبقوه من إعمال وتصرّفات لا تمتّ إلى روح الإسلام بصلة ، والجميع يعلم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تأخذه في الله لومة لائم ، فليدّعِ البعض أنّ كلامه ذاك فيه طعن على الصحابة . .
إنّ الشكّ الذي تقدّم به الذهبي وابن تيميّة إنّما هو نهج من سبقه القائم على تنزيه الصحابة كافّة دون أيّ استثناء ، في الوقت الذي ينقل لنا التاريخ أنّ الخصومات فيما بينهم كانت قائمة بمرأىً ومسمع من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ بعضهم كان يسبّ البعض الآخر ويشتمه ، بل وصل بهم أن يتراشقوا النعال بدلاً من الحجارة(1) وعليه فإنّ النهج الذي اتّبعه الذهبي وابن تيميّة يمتّ صلة بفكرة الإرجاء والمرجئة ، ومن هذا المذهب ظهرت فكرة تنزيه الصحابة وعدم الخوض في أفعالهم وتصرّفاتهم ، بل أدّى بهم أن يفتوا بصواب أعمالهم وأنّ لهم الأجر الجزيل ، لأنّه اجتهاد ، فإذا أصاب الصحابي باجتهاده فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، فهذا خالد يقتل نفساً بريئة يشهد الشهادتين وأنّ المسلم دمه وعرضه وماله حرام إلاّ أنّ ابن الوليد على حسب رأي ابن تيمية والذهبي أنّه اجتهد فأخطأ فله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول المهمة : 146 .
صفحه 49
أجر ! فأين اذاً قوله تعالى : ( مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )(1) ؟ ثمّ ماذا يقول هؤلاء في نهب الأموال في زمن عثمان على يد مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وزعماء بني أميّة ؟
ألم تقل أُمّ المؤمنين في حقّ عثمان لمّا ضرب ابن مسعود حتّى كسر أضلاعه : اقتلوا نعثلاً فإنّه كفر ؟ !
وفي ذلك يقول عبد بن أمّ كلاب ، عبد بن أبي سلمة قال مخاطباً عائشة بعد مقتل عثمان(2) :
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرتِ بقتل الإمام *** وقلت لنا إنّه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا مَن أمَر
ولم يسقط السقف من فوقنا *** ولم تنكسف شمسنا والقمر
وماذا يقول هؤلاء لمّا أقدم عثمان بن عفّان على نفي الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) إلى الربذة حتّى مات هناك وحيداً فريداً في غربة عن الوطن والأهل(3) . . ؟
لا يسعني المقام أن أسرد تلك الويلات والمحن التي جلبها بعض الصحابة للإسلام والمسلمين ، فلا زال طعمها المرّ يتذوّقه كلّ مسلم ، وعليه أنّ خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) الشقشقية التي تعرّض بها للخلفاء الثلاثة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 32 .
(2) الفتنة وواقعة الجمل : 115 .
(3) يكفي القاريء النبه أن يستعرض فصول السقيفة وما دار فيها من شجار وطعن ولعن وتفسيق حتّى شهر بعضهم السلاح ، وكان التهديد بالحرب والاجلاء عن المدينة ، أنّه النزاع بين القرشيين والخزرج .
صفحه 50
وطلحة والزبير وعائشة إنّما هو الواقع المرير الذي كان يعيشه المسلمون ، وقد حاول أصحاب الأطماع ومحبّو الرئاسة أن يخدعوا عوامّ الناس فلا يتعرّضوا لسياسة أولئك النفر حتّى لا يستفيد هذا الخلف من سقطات ذلك السلف بشكل أو آخر ، وعلى هذا الأساس اختلقوا الأحاديث ونسبوها إلى النبيّ ؟ وهو بريء ، منها قولهم : « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » وقولهم : « إيّاكم وما شجر بين أصحابي » .
أيّ منطق هذا أن يساوى بين الفاسق الفاجر والمؤمن التقي ؟ هذا طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مروان بن الحكم هل من المنطق السّليم أن يجعله المسلمون قدوة لهم ؟ !
أم ذاك أبو سفيان الذي ما خرجت كتيبة ولا رفعت راية لحرب الرسول (عليه السلام) إلاّ وهو قائدها . . ؟ !
علينا أن نحكّم العقل والمنطق ، اليوم أصبحت الشعوب واعية تبحث عن كلّ ما جرى في التاريخ وما مبتغاها في ذلك إلاّ أنْ تتبّع الهدى والصراط الواضح والنهج السوي .
إذن ما تناوله أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الشقشقية أو خطبته التي تعرّض فيها ( للمنافقين ) وما فيهما من نقد وطعن إنّما كان نتيجة للمواقف العدائية الصارخة التي وقفها هؤلاء وقد انقدحت من تلك المواقف الحاقدة حروب ذهب ضحيّتها مئات الآلاف من المسلمين ، ترى يسكت أمير المؤمنين (عليه السلام) حيال هذه الجرائم التاريخية ؟ !
وعليه :
فإنّ هذه الخطبة وغيرها من الخطب بل كلّ ما في النهج هو للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بلا منازع وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد المعتزلي : « لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 51
يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً ، أو بعضه ، والأوّل باطل لأنّنا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وقد نقل المحدّثون كلّهم أو جلّهم ، والمؤرّخون كثيراً منه ـ أي من النهج ـ وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك .
والثاني يدلّ على ما قلناه لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفاً من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب لابدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصل والمولّد ، إذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء ، أو لإثنين منهم فقط ، فلا بدّ أن يفرق بين الكلامين ويميّز بين الطريقتين .
« وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماءً واحداً ، ونفساً واحداً ، وأسلوباً واحداً ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز ، أوّله كوسطه وأوسطه كآخره ، وكلّ سورة منه وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً وبعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بالبرهان الواضح خلال من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) »(1) .
إذن يمكن تقسيم الصحابة إلى ثلاثة أصناف :
الصنف الأوّل : من أبلى بلاءً حسناً وجاهد في سبيل الله ورحل إلى ربِّه بأحسن وفادة وهو راض مرضي وهذا الصنف قد مدحه القرآن الكريم وهم ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 10 / 128 .
صفحه 52
النَّعِيمِ )(1) ، وكما مدحهم القرآن فقال سبحانه : ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً )(2) ولم يحدثوا بعد رسول الله حدثاً .
والصنف الثاني : تخاذل عن الحقّ ولم ينصر الباطل ، وقد ذمّهم القرآن الكريم إلاّ أنّهم لم يحدثوا شيئاً من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) . فهؤلاء أقلّ شأناً ممّن سبقهم وعلى الله حسابهم .
الصنف الثالث : الذين غيّروا وبدّلوا وحرّفوا كلام الله وأحدثوا من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال : « قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني . فأقول : ربّي أصحابي .
فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك »(3) وروى مثله البخاري عن سهل بن سعد وزاد عليه : « فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي »(4) .
ورواه أحمد بن حنبل في مسنده(5) .
ورواه المتّقي الهندي في كنز العمّال(6) عن ابن مسعود وعن سمرة .
ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة في الوضوء عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الواقعة 56 : 10 ـ 12 .
(2) سورة الفتح 48 : 29 .
(3) صحيح البخاري 6 / 108 و8 / 120 ، صحيح مسلم 4 / 1793 ، الاصابة 3 / 84 القسم 1 ، تهذيب التهذيب 8 / 51 ، كنز العمال 7 / 224 ، الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد : 212 ، مجمع الفائدة 2 / 429 ، كتاب الفضائل : حديث 26 .
(4) صحيح مسلم 4 / 1793 .
(5) مسند أحمد بن حنبل 1 / 384 و402 و 406 و407 و453 و455 و2 / 281 و5 / 48 و50 و393 .
(6) كنز العمّال 7 / 224 و225 ، 6 / 424 .
صفحه 53
أبي هريرة(1) .
ورواه في كتاب الفضائل في باب إثبات حوض نبيّنا (عليه السلام)(2) .
ورواه ابن ماجه في صحيحه في أبواب المناسك في باب الخطبة يوم النحر عن ابن مسعود(3) .
ورواه ابن جرير في تفسيره(4) بسنده عن قتادة .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد(5) عن سمرة وعن ابن مسعود .
فبماذا تفسّر هذا الحديث الشريف ؟ ! ومَن الذين أحدثوا بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ حيث روى ابن حجر في الإصابة بسنده عن سعيد بن منصور قال : « حدّثنا خلف ابن خليفة عن العلاء بن المسيّب عن أبيه عن أبي سعيد قلنا لـه هنيئاً لك برؤية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبته .
قال : إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده(6) .
ومثله في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق في باب غزوة الحديبية .
وفي طبقات ابن سعد ، بسنده عن إسماعيل بن قيس قال : « قالت عائشة عند وفاتها إنّي قد أحدثت بعد رسول الله فادفنوني مع أزواج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم : كتاب الطهارة ، باب الوضوء ، وكذلك 7 / 65 ـ 67 .
(2) كتاب الفضائل : باب إثبات الحوض حديث 26 .
(3) سنن ابن ماجة : أبواب المناسك ، وهكذا في الجامع الصحيح للترمذي 4 / 615 ، و2423 ، سنن النسائي 4 / 117 .
(4) تفسير الطبري : 4 / 55 .
(5) مجمع الزوائد 10 / 364 و365 .
(6) الإصابة 3 / القسم 1 ص 84 .
صفحه 54
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) »(1) .
وفي تهذيب التهذيب روى ابن حجر بسنده عن الآجري قال : « قال عمرو بن ثابت لمّا مات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كفر النّاس إلاّ خمسة . . »(2) .
أقول :
وممّا يؤيّد ما سبق الآيات الواردة في بعضهم ; إذ فيهم الذين ( ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ )(3) ، ومنهم ( مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي )(4) ، ومنهم مَن لمز النبيّ ( فِي الصَّدَقَاتِ )(5) ، ومنهم مَن آذاه وقالوا ( هُوَ أُذُنٌ )(6) ، ومنهم من كان في قلبه مرض ، ومنهم الذين اعتذروا في غزوة تبوك وكانوا بضعة وثمانين رجلا وحلفوا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقبل منهم لكن نزلت فيهم آيات تكذّبهم : قوله تعالى : ( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إذَا انقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإنَّ اللهَ لاَيَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )(7) وفي هذه الغزوة أقدم أربعة عشر منافقاً على الفتك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظلمات الليل عند عقبة هناك ، ولمّا انصرف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الغزوة إلى المدينة كان في الطريق ماء يخرج من وشل بوادي المشقّق . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سبق إلى ذلك الماء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطبقات الكبرى 8 / 74 ، ثمّ أنظر كتاب وضوء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) 1 / 244 .
(2) تهذيب التهذيب 8 / 15 .
(3) سورة التوبة 9 : 48 .
(4) سورة التوبة 9 : 49 .
(5) سورة التوبة 9 : 58 .
(6) سورة التوبة 9 : 61 .
(7) سورة التوبة 9 : 95 ـ 96 .
صفحه 55
فلا يسقينّ منه شيئاً حتّى نأتيه ، فسبقه إليه نفر من المنافقين واستقوا ما فيه فلمّا أتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف عليه فلم ير فيه شيئاً ، ولمّا علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر المنافقين ، قال : أولم ننههم أن يستقوا منه شيئاً حتّى نأتيه ، ثمّ لعنهم ودعا عليهم(1) .
روى البخاري عن زيد بن ثابت : « لمّا خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اُحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة منهم : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ، فنزلت الآية الكريمة : ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا . . . )(2) . قال الراغب في مفرداته : أركسهم أي ردّهم إلى الكفر »(3) .
ومن الصحابة من نزلت فيهم قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ )(4) والتفصيل في هذا الموضوع يطول لأنّ الشواهد القرآنية في الكشف عن هذا الصنف الثالث كثيرة جدّاً وعليه ، فالصحابة قوم من النّاس لهم ما للنّاس وعليهم ما عليهم واعتبارهم جميعاً عدولاً أنّها مكابرة شديدة ، ومن رفض محاسبتهم أو نقدهمُ أو تجريحهم ، إنّما يرفض قول الله العزيز ، وما جاء في حقّهم بصريح القرآن وقد أشرنا إلى جملة منها . وفي هذا أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليّ (عليه السلام) أن يقاتل ( الناكثين والقاسطين والمارقين ) لأنّ جميعهم قد خرجوا عن الحقِّ فهم أضلّوا سبيلاً وكانت خاتمتهم الخسران المبين ، وكما قيل إنّ الأمور بخواتيمها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضواء على السنة المحمّـدية : 353 .
(2) سورة النساء 4 : 88 .
(3) اضواء على السنة المحمّـدية : 322 .
(4) سورة التوبة 9 : 107 .

صفحه 56
أمّا الشكّ الرابع : وهو اعتراض البعض على أنّ في النهج إنباء بالغيب ، كإخباره بملك الأمويّين وقيام دولتهم ، وبعدها دولة بني العبّاس ، وكإخباره في ظهور الفتن والثورات ، كثورة الزنج وظهور التتار . .(1)
أقول :
ردّ هذا الاعتراض من وجوه :
أوّلاً :
إنّ الإمام (عليه السلام) لم يدّعِ هذا الغيب ، بل نفاه عنه في تصريح منه للرجل الكلبي في كلام وقع منه في وصف الأتراك فقال للرجل وكان كلبيّاً : « يا أخا كليب ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم وإنّما علم الغيب علم الساعة ، وما عدّده الله سبحانه بقوله ( إنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ )(2) .
ثانياً : إنّ الغيب من الأمور المختصّة بالله سبحانه ولكنّه تعالى يجوز له أن يُطْلِعَ من يشاء من عباده عليه وذلك قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول )(3) .
ثالثاً : الجميع يعلم أنّ الإمام عليّ (عليه السلام) تربّى في حجر النبيّ منذ نعومة أظافره ، وعنه أخذ علومه ، وكان هو مؤدّبه ومعلّمه وموضع سرّه ، وكثرت المناجاة بينهما حتّى قال (عليه السلام) : « علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من العلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : أثر التشيّع في الأدب العربي : 57 .
(2) سورة لقمان 31 : 34 .
(3) سورة الجن 72 : 26 ـ 27 .

صفحه 57
ألف باب يفتح لي من كلّ باب ألف باب »(1) .
وكما قال في حقّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها »(2) ، وأحاديث من هذا كثير ، إذن علمه (عليه السلام) بتعليم من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتسديد من الله سبحانه .
رابعاً : إنّ كتب الصحاح قد أفردت باباً خاصّاً في تلك المغيّبات وذلك تحت عنوان : كتاب الفتن وأشراط الساعة وجلّها تتضمّن أنباء الغيب من ذلك في صحيح مسلم والبخاري : باب الخسف بالجيش الذي يتوجّه إلى بيت الله الحرام(3) ، باب فتح القسطنطينية وخروج الدجّال ونزول عيسى بن مريم(4) ، باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس(5) ، باب إقبال الروم وحربهم للمسلمين عدّة مرّات(6) ، باب الآيات التي تكون قبل قيام الساعة(7) ، باب لا تقوم الساعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز(8) ، باب لا تقوم الساعة حتّى تقاتلوا قوماً كأنّ وجوههم المجان المطرقة ، ونعالهم الشعر وهم قوم صغار الأعين ذلف الأنوف حمر الوجوه ، وهم من الترك(9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نظم درر السمطين : 113 ، ينابيع المودّة 1 / 231 ، فرائد السمطين 1 / 101 حديث 70 ، الأربعون حديثاً : 7 ، المناظرات في الإمامة : 545 ، شرح مائة كلمة : 56 .
(2) المستدرك للحاكم 3 / 126 ، كنز العمّال 6 / 152 حديث 2508 ، ينابيع المودّة : 72 .
(3) صحيح مسلم 8 / 166 .
(4) صحيح مسلم 8 / 175 .
(5) صحيح مسلم 8 / 176 .
(6) صحيح مسلم 8 / 176 .
(7) صحيح مسلم 8 / 176 .
(8) صحيح مسلم 8 / 176 .
(9) صحيح مسلم 8 / 176 .
صفحه 58
وهكذا تجد أغلب هذه الأنباء في صحيح البخاري(1) .
أمّا الشكّ الخامس : فإنّ المعترض يعجب من كلمة وصيّ والوصاية التي وردت في بعض كلامهِ (عليه السلام)(2) .
أقول :
والردّ على الگيلاني صاحب هذا الاعتراض من وجوه :
أوّلاً : إنّ حديث الدار يكفي ويغني عن كلّ جواب ، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا جمع عمومته وزعماء قريش وهم يومئذ أربعون رجلاً : « فأيّكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم ، ولم يجبه أحد إلاّ الإمام عليّ (عليه السلام) فقال مخاطباً للجمع : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا »(3) .
أقول :
وهناك أحاديث كثيرة صدرت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وردت فيها كلمة الوصيّ وقد أراد بها (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عقده للإمام عليّ في كونه وصيّاً على الأمة من بعده .
ثانياً : ما ردّده الشعراء وما جرى على ألسِنة الناس :
قال جرير بن عبـد الله البجلي(4) :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 9 / 39 ـ 47 .
(2) المعترض هو الجيلاني في كتابه أثر التشيع في الأدب العربي : 66 .
(3) رواه أهل الصحاح والسنن ، فراجع على سبيل المثال مسند أحمد بن حنبل 1/111 و159 وللتفصيل انظر المراجعات لشرف الدين : 118 ، المراجعة 20 .
(4) وقعة صفّين لابن مزاحم المنقري : 137 .

صفحه 59
وصيّ رسول الله من دون أهله *** ووارثه بعد العموم الأكابر
وقال حجر بن عدي الكندي الشهيد(1) .
فإنّه كان لنا وليّاً *** ثمّ ارتضاه بعده وصيّاً
وقال المغيرة بن الحرث بن عبـد المطّلب(2) :
فيكم وصيّ رسول الله قائدكم *** وأهله وكتاب الله قد نشرا
وقال عبـد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي(3) :
يقودهم الوصيّ اليك حتّى *** يردّك عن غواتك وارتياب
وقال بريدة الأسلمي(4) :
أمر النبيّ معاشراً *** هم أُسرة ولها ذم
أن يدخلوا ويسلّموا *** تسليم مَن هو عالم
أنّ الوصيّ له الإما *** مة بعده والقائم
وقال الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت ( ذو الشهادتين ) يعاتب عائشة لمّا خرجت إلى حرب أمير المؤمنين (عليه السلام) في البصرة(5) :
أعائشُ خلّي عن عليّ وعيبه *** وصيّ رسول الله من دون أهله
بماليس فيه إنّما انتِ والده *** وأنتِ على ماكان من ذاك شاهده
وقال الصحابي الجليل أبو الهيثم بن التيهان يعرّض بطلحة والزبير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفّين لابن مزاحم المنقري : 381 .
(2) وقعة صفّين لابن مزاحم المنقري : 385 .
(3) وقعة صفّين لابن مزاحم المنقري : 382 .
(4) الصراط المستقيم 3 / 110 ، تقرب المعارف : 194 .
(5) نسمة السحر 2 / 240 ، الأوائل : 99 ، أخبار شعراء الشيعة : 58 .
صفحه 60
وعائشة الذين نكثوا بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) :
قل للزبير وقل لطلحة إنّنا *** نحن الذين شعارنا الأنصارُ
نحن الذين رأت قريش فعلنا *** يوم القليب أُولئك الكفّارُ
كنّا شعار نبيِّنا ودثاره *** يفديه منّا الروح والأبصار
إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا *** برح الخفاءُ وباحتِ الأسرار(1)
وفي المناقب : « مرّ ابن عبّاس بنفر يسبّون عليّاً (عليه السلام) فقال : أيّكم السابّ الله ؟ فأنكروا ، قال : أيّكم السابّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . . ؟ فأنكروا ، قال : فيكم السابّ لعليٍّ (عليه السلام) ؟ قالوا : فهذا نعم ، قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ يقول : من سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله فقد كفر ثمّ التفت إلى ابنه فقال : قل فيهم ، فقال :
نظروا إليك بأعين محمرّة *** نظر التيوس إلى شفار الجازر
غزر الحواجب خاضعي أعناقهم *** نظر الذليل إلى العزيز القاهر
سبّوا الإله وكذّبوا بمحمّـد *** المرتضى ذاك الوصيّ الطاهر
أحياؤهم عار على أمواتهم *** والميّتون فضيحة للغابرِ(2)
وقال حسّان بن ثابت يمدح عليّاً (عليه السلام) بلسان الأنصار :
حفظت رسول الله فينا وعهده *** إليك ومن أولى به منك من ومن
ألست أخاه في الهدى ووصيّه *** وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن(3)
وقال أبو الأسود الدؤلي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 1 / 143 ، الفتوح 2 / 307 ، الدرجات الرفيعة : 322 .
(2) مناقب آل أبي طالب 3 / 221 نقلا عن الولاية للطبري والإبانة للعكبري .
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 2/15 نقلاً عن الموفّقيات للزبير بن بكّار .
صفحه 61
أُحبّ محمّـداً حبّاً شديداً *** وعبّاساً وحمزة والوصيّا
أُحبّهم لحبّ الله حتّى *** أجيءُ اِذا بعثت على هويّا
هوئ أعطيته منذ استدارت *** رحى الإسلام لم يعدل سويّا
يقول الأرذلون بنو قشير *** طوال الدهر ماتنسى عليّا(1) ؟
وفي هذا المقام يجدر بي أن أذكر حديث أُم سلمة :
« عن أم سلمة في معرض حديثها مع مولى لها كان يبغض عليّاً (عليه السلام)قالت له : أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يومي وإنّما كان نصيبي في تسعة أيّام يوماً واحداً ، فدخل النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتخلّل أصابعه في أصابع عليٍّ (عليه السلام)واضعاً يده عليه ، فقال : يا أُم سلمة أخرجي من البيت وأخليه لنا ، فخرجت وأقبلا يتناجيان وأسمع الكلام ولا أدري ما يقولان ، حتّى إذا قلت : قد انتصف النهار وأقبلت وقلت : السلام عليكم ، ألج ؟
فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تلجي وارجعي مكانك ثمّ تناحيا طويلا ، حتّى قام عمود الظهر فقلت ذهب يومي وشغله عليّ فأقبلت أمشي حتّى وقفت على الباب فقلت : السلام عليكم ألج ؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تلجي ، فرجعت وجلست مكاني حتّى إذا أنا قلت قد زالت الشمس ألآن يخرج إلى الصلاة فيذهب يومي ، ولم أر قط أطول منه : أقبلت أمشي حتّى وقفت على باب الدار فقلت : السلام عليكم ألج ؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم فلُجي ، فدخلت وعليّ (عليه السلام) واضع يده على رُكْبتَي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أدنى فاه في أذن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وفم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أذن عليٍّ يتسارّان ، وعليُّ يقول : أفأمضي وأفعل ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل للمبرد 2 / 130 .

صفحه 62
والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : نعم .
فدخلت وعليّ معرض وجهه حتّى دخلت وخرج ، فأخذني النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقعدني ، ثمّ قال : يا أم سلمة لا تلوميني فإنّ جبرئيل أتاني بأمر من الله تعالى يأمرني أن أوصي به عليّاً من بعدي ، وكنت بين جبرئيل وعليٍّ ; جبرئيل عن يميني وعليّ عن شمالي ، فأمرني جبرئيل أن آمر عليّاً بما هو كائن بعدي فاعذريني ولا تلوميني ، إنّ الله اختار من كلّ أمّة نبيّاً ، واختار لكلّ نبيّ وصيّاً فأنا نبيّ هذه الأمّة ، وعليٌّ وصيّي في عترتي وأهل بيتي وأمّتي من بعدي »(1) .
وختاماً لهذه الفقرة نذكر ما ورد عن المستنصر العبّاسي :
« خرج المستنصر يوماً إلى زيارة قبر سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ومعه السيّد محمّـد بن علي الأقاسي فقال له المستنصر وهما في الطريق : إنّ من الأكاذيب ما يرويه غلاة الشيعة من مجيء عليّ بن أبي طالب من المدينة إلى المدائن لمّا توفـّي سلمان الفارسي ، وتغسيله إيّاه ورجوعه من ليلته ، فأجابه السيِّد المذكور بقول أبي الفضل التيمي في ردّ من أنكر ذلك :
أنكرت ليلة اِذ سار الوصيّ بها *** إلى المدائن لمّا أن لها طلبا
وغسّل الطهر سلماناً وعاد إلى *** عراص يثرب والإصباح ما وجبا
وقلت ذلك من قول الغلاة وما *** ذنب الغلاة اِذا لم يذكروا كذبا
فآصف قبل ردّ الطرف من سبأ *** بعرش بلقيس وافى يخرق الحجبا
فأنت في آصف لم تغلُ فيه ، بلى *** في حيدر أنا غال إنّ ذا عجبا
اِن كان أحمد خير المرسلين فذا *** خير الوصيّين أوكلّ الحديث هبا » .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مناقب الخوارزمي : 87 .
صفحه 63
أمّا الشكّ السادس : إنّ في النهج إشارة إلى الزهد والموت وهذا ناتج من تأثير المسلمين بالنصارى . . .
هذا القول في غاية الوهن والضعف والتردّي ، وصاحبه في غاية البلادة والسذاجة إن لم نقل عنه في غاية البغض والعداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام) .
إنّ زهد الإمام (عليه السلام) هو الذي ندب إليه القرآن الكريم وحثّت عليه الآيات البيّنات ، فكم من آية جاءت الدنيا فيها مذمومة . . ؟
قال تعالى : ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )(1) وقوله تعالى : ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً )(2) وقوله تعالى : ( . . تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ )(3) وقوله تعالى : ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ . . . )(4) وقوله تعالى : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )(5) وقوله تعالى : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(6) وقوله تعالى : ( ذَلِكُم بأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 212 .
(2) سورة النساء 4 : 77 .
(3) سورة النساء 4 : 94 .
(4) سورة الانعام 6: 32.
(5) سورة الانعام 6 : 70 .
(6) سورة هود 11 : 15 ـ 16 .

صفحه 64
وَغَـرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )(1) وقوله تعالى : ( فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى )(2) وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَاز عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ )(3) وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )(4) وقال تعالى : ( إنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ )(5) .
وقال تعالى : ( إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ )(6) وقال تعالى : ( اعْلَمُوا أَ نَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ )(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الجاثية 45 : 35 .
(2) سورة النازعات 79 : 37 ـ 39 .
(3) سورة لقمان 31 : 33 .
(4) سورة الحشر 59 : 18 .
(5) سورة يونس 10 : 7 .
(6) سورة يونس 10 : 24 .
(7) سورة الحديد 57 : 20 .

صفحه 65
هذه وآيات عديدة أُخر تصف ( الدنيا وما فيها ) بمثابة متعة ليس إلاّ ، فهي زائلة ، وليس من ركن إليها بممدوح ، إنّها الدنيا التي ذمّتها الآيات وزهّدنا فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لكن ليس الزهد ـ كما فهمه البعض ـ أن لا تملك فيها شيئاً ، وليس من الزهد أن تلبس المسوح وتنأى عن المجتمع وتترك العيال كلاًّ على غيرك ، بل يكفيك من الدنيا ما تصون به ماء وجهك وعرضك .
قال تعالى : ( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الأَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )(1) .
وبمثل ذلك جاءت نصائح أمير المؤمنين (عليه السلام) ، إذ هو الذي وبّخ عاصم بن زياد الحارثي حين سمع عنه أنّه لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا فدعاه (عليه السلام) فلمّا رأى ما هو عليه قال :
« يا عديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث ـ أي الشيطان ـ أما رحمت أهلك وولدك ؟ أترى الله أحلّ لك الطيّبات وهو يكره أن تنالها ؟ أنت أهون على الله من ذلك .
قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مأكلك ؟
قال : ويحك إنّ الله فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره »(2) .
رُوي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : « إنّ الناس في الدنيا ضيف وما في أيديهم عارية وأنّ الضيف راحل ، وأنّ العارية مردودة ، ألا وإنّ الدنيا عرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القصص 28 : 77 .
(2) انظر : نهج البلاغة 2 / 213 .

صفحه 66
حاضر يأكل منه البرّ والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل قاهر فرحم الله من نظر لنفسه ومهّد لرمسه وحبله على عاتقه ملقىً قبل أن ينفذ أجله وينقطع أمله ولا ينفع الندم »(1) .
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى : ( وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )(2) .
قال : لا تنس صحّتك وقوّتك وشبابك وغناك ونشاطك أن تطلب الآخرة »(3) .
وعليه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نهى عن الركون إلى الدنيا والتهالك عليها ، ولم ينه عمّا يصلح الإنسان شأنه ويقيم أوده .
وربّ سائل أن يقول : وهل نعيم الدنيا محرّم على المؤمن ؟
أقول :
لا تذهب بك الأوهام ، إنّما المؤمن أحقّ من غيره بنعيم الدنيا .
قال تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً )(4) وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوّاتِ الشَّيْطانِ )(5) وقال تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ارشاد القلوب : 24 .
(2) سورة القصص 28 : 77 .
(3) إرشاد القلوب : 27 .
(4) سورة الأعراف 7 : 32 .
(5) سورة البقرة 2 : 168 .
صفحه 67
مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ )(1) وقوله تعالى : ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(2)وقال تعالى : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ )(3) .
إذا كانت هذه الشهوات من الوجهة الحلال فلا بأس بها إلاّ أنّ الاعتدال وعدم التهالك عليها هو المحبّذ وهو الأقرب إلى التقوى .
أمّا قوله تعالى : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ )(4) فهي الدنيا المذمومة التي ذمّها أمير المؤمنين (عليه السلام) وحذّر منها ، فكم له (عليه السلام) من كلام في ذمّ تلك الزينة التي تقود إلى الغفلة والضياع ونسيان الآخرة . . ؟ !
هذا قوله لمّا دخل بيت المال في البصرة بعد انتصاره على أهل الجمل : نظر إلى الذهب والفضّة ثمّ قال مخاطباً هذه الدنيا الفانية : طلّقتك ثلاث . . . وهو الذي خاطب تلك الأموال بقوله غرّي غيري . . .
وأمّا ما ذكروه في شأن الموت والفناء ، فإنّ ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) له في القرآن أسوة من ذلك : قولـه تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ )(5) وقال تعالى : ( كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(6) وقال تعالى : ( أَيْنَما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 87 ـ 88 .
(2) سورة الأنفال 8 : 69 .
(3) سورة آل عمران 3 : 14 .
(4) سورة الحديد 57 : 20 .
(5) سورة الأنبياء 21 : 34 .
(6) سورة آل عمران 3 : 185 .
صفحه 68
تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة )(1) وقال تعالى : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ )(2) وقال تعالى :( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )(3) .
وقال تعالى : ( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا . . . )(4) .
وقال تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ )(5) .
وآيات أخر عديدة ، إنّ السرّ في الحثّ على الموت سواء في القرآن الكريم أم في نهج البلاغة ، هو الاعتصام بحبل الله والنظر إلى ما عند الله من النعيم الأبدي الذي لا يفنى ، ثمّ إنّ الذاكر للموت سوف يعيش ساعات اللقاء في أيّ لحظة كانت فلا يسأم ولا يندم ، فهو الحقّ ، وهكذا من كان ذاكراً للموت مستعدّاً له يعيش حياة الإيمان والتقوى والعبادة والعمل الصالح ، فهو أبداً شجاع لا يرهب سلطاناً .
ولا يكون جباناً ، ولا يكون حريصاً على مال أو لذّة ، فهو دوماً شكور صابر ، عزيز غير ذليل ، نقيّ السريرة ، طاهر الأردان ، و . . .
وعليه يذكّرنا الحديث الشريف : « أكثروا من هادم اللذات »(6) ذلك البعد المعنوي في ارتقاء الروح وسموّها إلى عالم الفضيلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء 4 : 78 .
(2) سورة الواقعة 56 : 60 .
(3) سورة الملك 67 : 2 .
(4) سورة الزُّمر 39 : 42 .
(5) سورة الرحمن 55 : 26 ـ 27 .
(6) كتاب الدعوات : 238 ، وسائل الشيعة 2 / 649 حديث 5 ، كشف اللثام 1 / 107 ، عيون أخبار الرضا 1 / 75 حديث 325 .

صفحه 69
إذن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وذكره للموت هو جرياً لما جاء في القرآن الكريم .
أمّا الشكّ السابع : قال البعض إنّ في بعض الخطب تقسيم المعاني والمسائل إلى أصناف كتقسيم الاستغفار إلى ست معان و . . .
أقول :
وهل غاب عن هذا المعترض ما جاء في القرآن الكريم عندما قسّم سبحانه وتعالى الناس فقال : ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . . . )(1) .
ثمّ يردف سبحانه هذه الآيات المجملة بتفصيل وهذا ما يعرف في البلاغة بالّلفّ والنشر .
وموارد أُخرى في القرآن الكريم فيها ذلك التقسيم والتصنيف ، ثمَّ التقسيم الذي جاء في كلام صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث جمّة لا تحصى خذ مثالاً منها ، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ستّة أشياء حسنة ولكنّها من ستّة أحسن ، العدل حسن وهو من الأمراء أحسن ، والصبر حسن وهو من الفقراء أحسن ، والتوبة حسنة وهي من الشباب أحسن ، والحياء حسن وهو من النساء أحسن ، وأمير لا عدل له كغمام لا غيث له ، وفقير لا صبر له كمصباح لا ضوء له ، وعالم لا ورع له كشجرة لا ثمرة لها ، وغنيّ لا سخاء له كمكان لا نبت له ، وشابٌّ لا توبة له كنهر لا ماء فيه ، وامرأة لا حياء لها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الواقعة 56 : 7 ـ 10 .
صفحه 70
كطعام لا ملح لـه »(1) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « معشر المسلمين إيّاكم والزنا فإنّ فيه ستّ خصال ، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، فأمّا التي في الدنيا فإنّه يذهب البهاء ، ويورث الفقر ، وينقص العمر ، وأمّا التي في الآخرة فإنّه يوجب سخط الربّ ، وسوء الحساب ، والخلود في النّار »(2) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ثلاث من كنّ فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان : خلق يعيش به في النّاس ، وورع يحجزه عن محارم الله ، وحلم يردّ به جهل الجاهل »(3) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهنّ ، كانت فيه خصلة من النفاق حتّى يدعها ، إذا اؤتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر »(4) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ثلاث من كنّ فيه آواه الله في كنفه ، وستر عليه برحمته ، وأدخله في محبّته : من إذا أعطى شكر ، وإذا قدر غفر ، وإذا غضب فتر »(5) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات : فأمّا المنجيات : فالعدل في الغضب والرضا ، وخشية الله في السرّ والعلانية ، والقصد في الغنى والفقر ، وأمّا المهلكات : فشحٌّ مُطاع ، وهوىً متّبع ، وإعجاب المرء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ارشاد القلوب للديلمي : 233 .
(2) الخصال 1 / 141 .
(3) مدارك الأحكام 7 / 14 ، الوسائل 9 / 364 أبواب مقدمات الطواف .
(4) المحلى 8 / 28 و11 / 202 ، كنز العمّال 849 ، صحيح البخاري 1 / 14 .
(5) محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الكامل : 94 .
صفحه 71
بنفسه »(1) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحدٌ قبلي ، كان كلّ نبيٍّ يبعث إلى قومه خاصّة وبُعثت إلى كلّ أحمر وأسود ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي ، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلِّ حيث كان ، ونُصرت بالـرعب مسيرة شهر ، وأعطيت الشفاعة »(2) .
وعن أبي هريرة قال : قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : « سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه : إمام عادل ، وشابٌّ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلّق بالمساجد ، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إنّي أخاف الله ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه »(3) .
والشواهد من أقوال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة جدّاً فما بال المعترض يعجب من التقسيم الوارد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ربيب رسول الله نشأ في حجره ونهل من معينه الزلال الصافي ؟ !
وغير ذلك من الشواهد فعن عبـد الرحمن بن عوف قال : « دخلت على أبي بكر الصديق في مرضه الذي توفّي فيه فأصابه مهتمّاً ، فقال لـه عبـد الرحمن في جملة كلام لـه : إنّك لا تأسى على شيء من الدنيا قال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الكامل : 322 .
(2) رواه جابر وأخرجه البخاري . وفي تلخيص الحبير 2 / 316 ، تنوير الحوالك : 727 ، المبسوط 15 / 3 ، حاشية ردّ المختار 1 / 246 .
(3) رواه البخاري ومسلم ، المجموع 4 / 195 و6 / 238 ، إعانة الطالبين 2 / 237 ، فقه السنّة 1 / 412 ، والمجازات النبوية : 412 .
صفحه 72
أبو بكر : أجل لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت أنّي تركتهنّ ، وثلاث تركتهنّ ووددت أنّي فعلتهنّ ، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهنّ .
فأمّا الثلاث التي وددت أنّي تركتهنّ ، فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإنْ كانوا قد غلقوه على الحرب ، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأنّي قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً ، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد بهما عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً .
وأمّا اللاتي تركتهنّ : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيل إليّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه ، ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردّة كنت أقمت بذي القصّة ، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد ، ووددت أنّي إذ وجّهت خالد إلى الشام كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يديّ كليهما في سبيل الله ومدّ يديه ، ووددت أنّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ووددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمّة فإنّ في نفسي منهما شيئاً »(1) .
وللمزيد من الشواهد والنصوص عليك بكتاب المواعظ العددية وهكذا تجد بغيتك في كتاب الخصال فراجع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرج الحديث بطوله أبو عبيدة في كتاب الأموال صفحة 131 والطبري في تاريخه 4 / 52 ، وابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 18 والمسعودي في مروج الذهب 1 / 414 وابن عبـد ربّه الاندلسي في العقد الفريد 2 / 254 .
صفحه 73
وخلاصة القول : ما جاء في نهج البلاغة من تقسيم المعاني وتصنيف المطالب هو إقتداء بكلام الله سبحانه وتعالى واقتفاء بكلام نبيّه الأكرم .
أمّا الشكّ الثامن : إنّ في النهج وصفاً دقيقاً للحيوانات كالطاووس ، فمتى رأى الإمام هذا الحيوان حتّى يصفه بتلك الدقّة المتناهية ؟ !
أقول :
إنّ اعتراض البعض ليس بوجيه ، ولا يخضع للمنطق والعقل ، إذ هل أنّ المعترض قد صاحب الإمام (عليه السلام) في سفراته وغزواتها وهجرته حتّى ينكر عليه مشاهدته للطاووس وغيره من الحيوانات ؟ !
إنّ الإمام (عليه السلام) هاجر إلى اليمن ، واشترك في كلّ المعارك والغزوات ، وتنقّل بين ربوع الحجاز والعراق والشام ، وكانت تصل إليه هدايا الملوك والأمراء ، فهل من الصعب أن يرى الإمام (عليه السلام) الطاووس وغيره من الحيوانات التي قد لم تكن موفورة في مكّة أو المدينة ؟
وقد يكون أنّ الإمام رأى الطاووس في البصرة والتي تعدّ ذلك اليوم مركز التجارة وحلقة وصل بين الهند وبلاد فارس وبلاد العرب ، وربّما شاهده (عليه السلام) في المدائن عاصمة الأكاسرة فيما مضى ، فقد بقيت عامرة حتّى عصر الإمام وما بعده .
أمّا الشكّ التاسع : أنّهم قالوا : في بعض النهج يوجد سجع منمّق وصناعة لفظية ، لا تعرف لذلك العصر ، بل إنّما برز هذا اللون من الصناعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 74
في العصر العبّاسي ، والقائل بذلك أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام(1) ، والردّ عليه من وجوه :
أوّلاً : إنّ أدنى التفات من الباحث المختصّ في الأدب العربي سيجد هناك فرقاً كبيراً بين ما هو سجع منمّق صدر عفو الخاطر وبين سجع متكلّف عليه آثار الصنعة .
ثانياً : إنّ في القرآن الكريم آيات عديدة بل سور كثيرة جاء فيها السجع وهو بمثابة تنميق لفظي له وقعه الجميل في النفوس ولم يكن فيه أيّ تكلّف أو صنعة ، اقرأ قوله تعالى من سورة النازعات : ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ )(2) إلى آخر السورة المباركة .
واقرأ في سورة عبس : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى )(3) إلى آخر السورة المباركة .
وهكذا في سورة التكوير وسورة الانفطار والمطفّفين والانشقاق وحتّى آخر الجزء الثلاثين ناهيك عن السور الأخر من الأجزاء المتقدّمة .
فهل الأستاذ كرد علي وابن تيميّة ـ وغيرهما ـ قد غفلا عن هذه السور والآيات المباركة حتّى يدّعيا أنّ هذا السجع هو من أسلوب العصر العبّاسي أو هناك شيٌ آخر قد انطوت عليه السرائر فكشفه نفث الصدور ؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فجر الإسلام 148 ـ 149 .
(2) سورة النازعات 79 : 1 ـ 9 .
(3) سورة عبس 80 : 1 ـ 6 .

صفحه 75
ثالثاً : تطالعنا نصوص عديدة من العصر الجاهلي فيها من ذلك السجع فما بال المعترض ؟ !
انظر واقرأ النصّ الوارد من قس بن ساعدة الأيادي الذي يُعدّ من كبار حكماء العرب في العصر الجاهلي قال : « أيّها النّاس : اجتمعوا فاسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ماهو آت آت ، في هذه آيات محكمات مطر ونبات ، وآباء وأمّهات ، وذاهب وآت ، ونجوم تمور ، وبحور لاتغور ، وسقف مرفوع ، ومهاد موضوع ، وليل داج ، وسماء ذات أبراج »(1) .
وهو القائل :
« يا معشر إياد ، أين ثمود وعاد ، وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم ينكر ، أقْسَمَ قُسٌ قسماً بالله ، إنّ الله لدينا هو أرضى لـه من دينكم هذا »(2) ومن السجع « قول هند بنت الخُسّ ( الزرقاء ) قيل لها أي الرجال أحبّ اليك ؟
قالت : القريب الأمَد ، الواسع البلَد(3) ، الذي يُوفَد اليه ولا يَفِد »(4) .
ومن السجع « قول جُمعة بنت حابس ، قيل لها أيّ الرجال أحبّ اليك ؟
قالت : الشنِق الكتَد(5) ، الظاهر الجلد ، الشديد الجذب بالمسَدِ »(6) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيان والتبيين 2 / 253 .
(2) البيان والتبيين 2 / 254 .
(3) البلد : الدار .
(4) البيان والتبيين 2 / 256 .
(5) الشنق : الطويل ، الكتد : أعلى الكتف .
(6) البيان والتبيين 2 / 256 .
صفحه 76
ومن السجع قوله : « إنّ الأعمار تفنى ، والأجسام تبلى ، والأيّام تطوى ، والليل والنهار يتطاردان تطارد البريد ، يقرّبان كلّ بعيد ، ويخلقان كلّ جديد . . الخ »(1) .
وقوله (عليه السلام) : « افشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلّوا بالليل والنّاس نيام »(2) .
وهكذا لو تصفّحت خطب الصحابة وخطب أبي بكر وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وغيرهم لوجدت الكثير من ذلك السجع والتنميق ويجدر بالمعترض أن يقرأ قبل أن يدلي بشكوكه ولبنات أفكاره الواهية ، عليه أن يقرأ : البيان والتبيين للجاحظ ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ، والعقد الفريد لابن عبـد ربّه الأندلسي ، وجمهرة خطب العرب ، ففي تلك المصادر ما يشفي الغليل وبها يصحو العليل فما أكثر النصوص ، وما أكثر السجع والمقابلة فيها ، فهي جميعاً من مختارات بلغاء العرب وخطبائهم في الجاهلية وصدر الإسلام .
أمّا الشكّ العاشر : وهو أنّ النهج اشتمل على صيغ فلسفية وكلامية وعلوم لم تعرف إلاّ بعد زمن الإمام (عليه السلام) . . . والردّ عليه بإمور :
أوّلا : إنّ في القرآن مئات الآيات تؤكّد على فكرة التوحيد ، وتحثّ النّاس على التدبّر في تلك الآيات والإمعان فيها :
قال تعالى : ( وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيان والتبيين 2 / 256 .
(2) المجموع للنووي 4 / 593 ، بدائع الصنائع 5 / 101 ، المحاسن 2 / 387 .

صفحه 77
تُبْصِرُونَ )(1) ، وقال تعالى : ( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )(2) ، وقال تعالى : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا )(3) ، وآيات التدبّر كثيرة .
هذه الدعوة إلى التدبّر تسوقنا إلى أنّ المسلمين الأوائل هم الذين فتحوا باب الجدل وعلم الكلام والمناظرة وبهذا العلم اهتدى الكثير من النّاس وذلك بسبب الحوار الذي كان يتمّ بين المسلم الداعية وبين المشركين وذوي النحل وأصحاب الأديان ، وهذا أمر قد ألِفه المسلمون في زمن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً : إنّ تعذّر الرؤية ، وكلام الخالق ، ونفي الجسمية ، والاستدلال على وجوده ومطالب عقائدية أخرى كثيرة تطرّق إليها القرآن الكريم في آيات عديدة من ذلك قوله تعالى : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ . . )(4) .
وفي نفي الجسمية عنه وأنّه ليس في جهة معينة قوله تعالى : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالاَْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )(5) .
وفي الاستدلال على وجود الخالق قوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ )(6) ، وقوله تعالى : ( وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الذاريات 51 : 20 ـ 21 .
(2) سورة الغَاشِيَة 88 : 17 .
(3) سورة مُحمّـد 47 : 24 .
(4) سورة الأنعام 6 : 103 .
(5) سورة الحديد 57 : 3 .
(6) سورة فصلت 41 : 53 .
صفحه 78
وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ )(1) .
وفي نفي الشريك يستدلّ القرآن الكريم بقولـه تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا )(2) .
هذه الإستدلات القرآنية ليست هي بعيدة عن المسلمين الأوائل ، لذا فهي تشكّل جذور علم الكلام والفلسفة وقد استنطق أمير المؤمنين (عليه السلام)القرآن الكريم وكانت خطبه عبارة عن شرح لتلك الدلالات فهو نبع الفصاحة ، وسرّ البلاغة ، وقد عكف على مدارسة القرآن منذ أن هجره القوم وتركوا بيعته .
وفي فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) وسابقته إلى الإسلام وغزارة علمه يقول الحسن البصري حين سئل عن عليٍّ « قال : لم يكن بالنؤمة عن أمر الله ، ولا بالملومة في دين الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله ، فاحلّ حلاله ، وحرّم حرامه ، حتّى أورده ذلك رياضاً مونقة وحدائق مغدقة . . »(3) .
ثالثاً : تُعدّ الكوفة حاضرة العالم الإسلامي وقتئذ عندما نزلها أمير المؤمنين (عليه السلام) ونقل عاصمة خلافته إليها .
والكوفة ليست كالحجاز والشام ومصر ، بل هي قبلة العلماء ، ومرجع الأدباء والفلاسفة والمتكلّمين ، ومهبط الأفكار والعلوم ، إذ نزلها الفرس ، والسريانيّون والكلدانيّون ، وفيها راجت الديصانية والزندقة والأفكار الهندية واليونانية . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الذاريات 51 : 20 ـ 21 .
(2) سورة الانبياء 21 : 22 .
(3) انظر : البيان والتبيين للجاحظ 2 / 88 وهامش الصفحة .

صفحه 79
ولمّا كانت المذاهب والأفكار لها رواج بين الناس وتأثيرها في العوام أكثر من غيرهم ممّا دفع بالإمام (عليه السلام) أن يوضّح العقائد ويبيّن ما التبس على أصحاب الأهواء والنحل ، فكانت خطبه في التوحيد على رأس تلك الخطب وذلك تلبية لحاجة المجتمع ، وترسيخاً للعقائد والمفاهيم الإسلامية في النفوس .
إذن يحتّم علينا أن نقول إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي فتق علم التوحيد ، وهو الذي عالج قضاياه على ضوء القرآن الكريم ، وهو الذي علّم تلامذته أن يسلكوا هذا النهج مع الخصوم من الملاحدة ، والزنادقة ، وأهل البدع ، وأرباب الفلسفة ، وبالتالي أنّ لـه السبق ممّن نطق بهذه الفنون ، وأنّ علم التوحيد برز على يد الإمام قبل أن يخلق عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء .
أمّا الشكّ الحادي عشر : ادّعى البعض أنّ أهل اللغة والأدب لم يستشهدوا بـ : نهج البلاغة .
أقول :
ليت شعري لو تصفّح هذا المدّعي كتب الأوائل من مؤرّخين وأدباء وعلماء لوجد النصوص مبثوثة هنا وهناك وقد أسلفنا في الصفحات المتقدّمة أنّ بعض علماء اللغة والأدب نقل لنا العديد من نصوص أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلامه في شتّى المواضيع والمناسبات ، فهذا أبو عمرو الجاحظ ذكر جملة من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه البيان والتبيين ، وهذا ابن عبـد ربّه الأندلسي ذكر في كتابه العقد الفريد جملة من خطب الإمام (عليه السلام) ، و . . . ويطول المقام لو أردنا أن نسرد أسماء الكتب التي نقلت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 80
لنا كلام سيّد البلغاء وإمام الفصّحاء أمير اللغة والبيان ; أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وستعرف من بحثنا الآتي أنّ الخوارج ; ومنهم الأباضية ، كانوا يحفظون خطب أمير المؤمنين ; وأنّ خطباء دولتهم الرستمية كانوا يعيدون ما حفظوه من خطب الإمام عليٍّ في الجُمع والأعياد .
أمّا الشكّ الثاني عشر : قول القائل : إنّ بعض رسائل نهج البلاغة اتسمت بالإسهاب والتطويل أو التفصيل ولمّا كان الورق متعذّراً في عهد الإمام فمن البعيد أن يصدر منه عهده للأشتر .
أقول :
إنّ هذا الاعتراض والشكّ هو أوهن من خيط العنكبوت وذلك أنّ صناعة الورق ( القرطاس ) كانت قديمة جدّاً إذْ عرفها الصينيّون قبل الإسلام .
فمنذ مطلع القرون الميلادية استعمل الصينيّون الورق المصنوع من الأقمشة البالية ، وحلّ الحبر محلّ الدهان كوسيلة للكتابة بين سنتي 220 ـ 265(1) ثمّ إنّ مصر كانت مركزاً رئيسيّاً لصناعة الورق في ذلك الحين ومنذ زمن الفراعنة ، فهل يعجز الإمام (عليه السلام) أن يستورد منها هذه المادّة وأنّ الحاكم عليها وواليها من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) هو محمّـد بن أبي بكر ؟ !
ثمّ لا تنسى أنّ التجارة بين المدن والأمصار قد اتسعت كثيراً في الدولة الإسلامية ، وإذا كان المسلمون في عوز وفقر ، فذلك في بدء الدعوة وعلى عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فحسب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) موجز تاريخ الحضارة 1 / 355 .

صفحه 81
وأخيرا نقول :
إذا لم يكن هناك قرطاس يكتب عليه ففي الجلود ما فيه الكفاية حيث كان المسلمون يكتبون عليه بعد صقله ودلكه ، وهذه الجلود المعدّة لهذه الغاية كانت موفورة بلا أدنى شكّ .
أمّا الشكّ الثالث عشر : ادّعى البعض أنّ هناك عدّة خطب في النهج تُعزى لأشخاص غير الإمام (عليه السلام) من ذلك الخطبة التي أوّلها :
« أيّها الناس إنّنا قد أصبحنا في زمن عنود ودهر كنود » فقيل إنّها تنسب إلى معاوية(1) ، وكالخطبة التي أوّلها : « إنّ الدنيا حلوة خضرة . . » فقد نسبها الجاحظ إلى قطري بن الفجاءة الخارجي(2) .
أقول :
هذه الدعوى مخدوشة من عدّة جوانب :
أوّلاً : إنّ بلاغة أمير المؤمنين (عليه السلام) متميّزة بالصورة الجمالية من استعارات وكنايات وتمثيل وتشبيه ، وإنّك تجد جميع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في النهج على وتيرة واحدة .
ثانياً : لو وضعت تلك النصوص التي زعم البعض أنّها منسوبة أما إلى معاوية أو إلى قطري بن الفجاءة وقارنوا بينها وبين كلام أولئك وأشعارهم لوجدوا البون الشاسع بحيث يأبى الذوق ـ ناهيك عمّن هو متخصّص في بلاغة الأدب والأدباء ـ أن يضع هذه النصوص في حقل كلام أولئك النفر .
ثالثاً : إنّ سيرة حكّام بني أميّة حرصت كلّ الحرص أن لا يتكلّم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صرّح به الجاحظ في البيان والتبيين 2 / 39 .
(2) البيان والتبيين 2 / 39 .
صفحه 82
الناس بفضائل عليٍّ (عليه السلام) وأهل بيته الكرام إذ كمّوا الأفواه ، وعاقبوا كلّ من يذكر من سيرة عليٍّ وأبنائه الأطهار ، وفي مقابل ذلك نسبوا الكثير من الفضائل إلى معاوية وابنه يزيد وعمرو بن العاص وسائر حكّام بني أميّة ، فهم الذين افتعلوا الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة ونسبوا لهم الكرامات والمعاجز والمناقب . . .
فليس بِدعاً من بني أميّة وهم السرّاق للمال والغاصبين للخلافة أن يسرقوا تراث وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ يلوكوه بألسنتهم ويلفظوه ثانية على العوامّ من أهل الشام ، فكم لهم من سطوة على خطب الإمام (عليه السلام)وكلماته ؟ !
انظر إلى نقد الجاحظ عندما تناول خطبة لمعاوية لمّا حضرته الوفاة .
قال : « إنّ هذا الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية ، ومنها أنّ هذا المذهب في تصنيف الناس وفي الإخبار عنهم وعمّا هو عليه من القهر والإذلال ومن التقية والخوف أشبه بكلام عليٍّ (عليه السلام) وبمعانيه بحاله منه بحال معاوية . . . إلى أن يقول : والله أعلم بأصحاب الأخبار وبكثير منه »(1) .
وممّا نسوقه دليلاً في الردّ على المعترض ، ما جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد وهو يقارن خطبة الإمام (عليه السلام) في الجهاد بخطبة ابن نباتة المتوفـّى سنة 374 هـ .
فيقول : « واعلم أنّ التحريض على الجهاد والحضّ عليه قد قال فيه النّاس فأكثروا وكلّهم أخذوا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فانظر إليها ـ إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيان والتبيين 2 / 39 .

صفحه 83
خطبة ابن نباتة ـ وإلى خطبته (عليه السلام) بعين الإنصاف تجدها بالنسبة إليه كمخنّث بالنسبة إلى الفحل أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد . . إذا تأمّله الخبير عرفه ، ومع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ثمّ يقول ابن أبي الحديد : وأمّا باقي خطبة ابن نباتة فمسروق من خطب لأمير المؤمنين (عليه السلام) واعلم أنّي أضرب لك مثلاً تتخذه دستوراً في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلام الكتّاب والخطباء بعده كابن نباتة والصابي وغيرهما .
وبعد هذا بصفحتين يقول ابن أبي الحديد : فلينظر الناظر في هذا الكلام ; كلام ابن نباتة وكلام الإمام عليٍّ (عليه السلام) فإنّه وإن كان قد أخذ من صناعة البديع بنصيب إلاّ أنّه في حضيض الأرض ، وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أوج السماء ، ومثله بالقياس إلى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)كدار مبنية من اللبن والطين ، ومموّهة الجدران بالنقوش والتصاوير مزخرفة بالذهب من فوق الجصّ والإسفيداج(1) بالقياس إلى دار مبنية بالصخر الأصمّ الصلد المسبوك بينه عمد الرصاص والنحاس المذاب ، وهي مكشوفة غير مموّهة ولا مزخرفة ، فإنّ بين هاتين الدارين بوناً شاسعاً »(2) .
ومن المفارقات العجيبة أنّ أحمد أمين ينكر نسبة النهج لأمير المؤمنين (عليه السلام) لكنّه يقع في مزلق كبير فيه افتضاحه وتعرّيه قال في معرض كلامه على البصائر والذخائر ما يؤكّد شيوع نهج البلاغة بين النّاس وأنّ الاقتباس من الإمام عليٍّ (عليه السلام) أمر يشهد لـه الجميع ثمّ صرّح بأنّ السرقة الأدبية من كلام الإمام (عليه السلام) كانت تجري على قدم وساق دونما رادع ، وفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاسفيداج ـ رماد الرصاص .
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ 2 / 82 و84 .
صفحه 84
معرض حديثه وتعليقه على كلام أبي حيّان التوحيدي الذي كان في صدد المروي من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) القصار من نهج البلاغة والقول المنسوب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) « لا مال أعود من العقل » ، قال أحمد أمين : « ليس هذا من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما هو من كتاب نهج البلاغة »(1) .
لم يقل من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لكونه يتورّع من أن ينسب هذا الكلام إليه من جهة ، ومن جهة أخرى كان يتصوّر أنّ التوحيدي متأخّر على الشريف الرضي وفي عمله هذا مراده الطعن بعمل الشريف الرضي وتزييفه ، لكن غابت عن ذاكرته أنّ التوحيدي توفّي سنة 380 هـ ، أي قبل صدور نهج البلاغة بعشرين عاماً .
فكم من مفتر أثيم قد فضحه الله على فلتات لسانه ؟ !
أضف إلى كلّ هذا وذاك فإنّ الكلمات التي رواها التوحيدي ذكرها ابن عبـد ربّه الأندلسي المرواني المتوفّى سنة 328 هـ ، في كتابه العقد الفريد ، المجلّد الثاني ص 252 .
علماً أنّ أحمد أمين هو أحد المشرفين على طبع هذا الكتاب ـ العقد الفريد ـ والمكلّفين بتصحيحه وتحقيقه .
ولا يبعد بك المقام في كلّ ما تقدّم عن الخوارج فقد كانوا يحفظون خطب الإمام عليٍّ (عليه السلام) ويعيدونها على منابرهم في الجُمع والأعياد .
يقول الأستاذ الشيخ محمّـد علي دبوز أستاذ الأدب العربي في معهد الحياة في الجزائر ; وهو من معتدلي الأباضية ; في كتابه تاريخ المغرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فجر الإسلام : 148 .

صفحه 85
الكبير : « قال ابن الصغير : كان الأباضية في الدولة الرستمية(1) لا يمنعون أحداً من الصلاة في مساجدهم ولا يكشفون على حاله ولو رأوه رافعاً يديه .
وكانت خطبهم على منابرهم هي خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لحبّ الأباضية للإمام عليٍّ رضي الله عنه وإجلالهم لمقامه وإعجابهم ببلاغته وفصاحته .
إنّ إيثار الأباضية في الدولة الرستمية لخطب الإمام عليٍّ رضي الله عنه يدلّ على حبّهم لـه وعلى الرقيّ الذي كانت عليه الدولة في الفهم والذوق الأدبي وعلى تمكّن الجماهير في العربية .
إنّ خطب الإمام عليٍّ (عليه السلام) التي كانت تجلجل في منابر تيهرت(2) دليل على المستوى الثقافي الرفيع الذي كانت عليه الجماهير وعلى تمكّن الدولة الرستمية في العربية الفصحى وانتشارها في كلّ طبقاتها »(3) .
أمّا الشكّ الرابع عشر : ادّعى البعض أنّ في النهج وصف دقيق للحياة الاجتماعية من جهة ، وطعن على الولاة والقضاة من جهة أخرى . . .
أمّا الطعن على الولاة فهذا ما تقدّم ذكره في جواب الشكّ الثالث ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدولة الرستمية من دول الأباضية في المغرب العربي تأسّست عام 144 هـ وتلاشت سنة 296 هـ .
(2) تيهرت عاصمة الدولة الرستمية آنذاك .
(3) تاريخ المغرب الكبير 3 / 588 . أقول : لا يخفى أنّ كلمة الجماهير التي كرّرها المصنّف إنّما تعني أصحابه الأباضية . ثمّ إنّ الخوارج كما هو معروف يبغضون الامام (عليه السلام)أشدّ البغض ، وربّما كان المصنّف من معتدلي الاباضية فذكر الإمام (عليه السلام)وترضّى عليه .

صفحه 86
فليراجع .
وأمّا الوصف الدقيق للحياة الاجتماعية فهذا ممّا لا يختلف عليه اثنان ، وحقّاً ينبغي أن تكون خطب الإمام (عليه السلام) كذلك لأنّه يمثّل رأس الهرم المشرف على كلّ طبقات المجتمع وأحواله وتصرّفاته ، وأنّ عصر الإمام (عليه السلام) يختلف كثيراً عن العقد الثلاثة التي سبقت ، فالأموال التي تقاطرت على المسلمين من شرق البلاد وغربها ، وحياة الترف وما أصابه المسلمون من النعيم لم يكن له سابق مثيل .
ولمّا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) المسؤول عن رعيّته فهو تارة يصفهم ويصف حياتهم وما فيها من ترف وبذخ ، وتارة يقودهم إلى الورع والتقوى والاستقامة بتوجيههم الوجهة الصحيحة وعليه فما هو الضير إذا جاءت خطبه (عليه السلام) تصف حياة الناس بشكل محسوس دقيق ؟ !
أمّا الشكّ الخامس عشر : ادّعى الكيلاني أنّ في نهج البلاغة خطباً طال في صدرها الحمد وأنّ هذه عادة لم تعرف إلاّ في العصر العبّاسي ; في خطب الجمع والأعياد .
لو كان المعترض يجنح إلى البحث العلمي لأراح نفسه واستراح من كلّ هذا الوهن الذي سطّره في كتابه أثر التشيّع في الأدب العربي ولكن أبت نفسه إلاّ أن يطعن حتّى بالبديهيّات الواضحات .
أقول :
إنّ الحمد وتكراره في خطب الإمام لم يكن بدعاً منه (عليه السلام) بل سبقه إلى هذا الأسلوب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد روى البخاري في صحيحه : « أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول : اللّهم لك الحمد ، أنت قيّم السماوات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 87
والأرض ومن فيهنّ ، ولك الحمد ، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهنّ ، ولك الحمد نور السماوات والأرض ، ولك الحمد ، أنت الحقّ ، ووعدك الصدق ، ولقاؤك حقّ . . » الخ كلامه الشريف(1) وأمثال هذا الحمد وما فيه من تكرار هو كثير في كلامه (عليه السلام) .
وهكذا تجد الخلفاء والصحابة يفتتحون كلامهم وخطبهم بالحمد والثناء وربّما تكرّرت كلمات الحمد في الخطبة الواحدة .
قال الجاحظ : « إنّ خطباء السلف الطيّب ، وأهل البيان من التابعين بإحسان ، مازالوا يسمّون الخطبة التي لم يبتديء صاحبها بالتحميد ، ولم يستفتح كلامه بالتمجيد البتراء ويسمّون التي لم توشّح بالقرآن ، وتزيّن بالصلاة على النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الشوهاء »(2) « يقول ابن قتيبة : تتبّعت خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدت أوائل أكثرها الحمد لله نحمده ونستعينه ، ووجدت كلّ خطبة ، مفتاحها الحمد ، إلا خطبة العيد ، فإنّ مفتاحها التكبير »(3) .
والعجيب من الگيلاني عندما يذكر مثالاً من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)ثمّ يُشكل على صحّة نسبتها للإمام ، أنّه لم يتحرّ مصادر المثال الذي أورده . ومثاله قول الإمام (عليه السلام) « الحمد لله كلّما وقب ليل وغسق . . »(4) قد روى هذه الخطبة نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفّين(5) ، والجميع يعلم أنّ نصر بن مزاحم من أقدم مؤرّخي العرب الذين وصلتنا آثارهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 2 / 43 .
(2) البيان والتبيين 2 / 5 .
(3) البيان والتبيين 2 / 5 .
(4) نهج البلاغة 1 / 97 .
(5) وقعة صفّين لابن مزاحم المنقري : 70 .
صفحه 88
ثم ما وجه الغرابة والقرآن الكريم بأيدينا إذ تصدّرت عدّة سور بالحمد منها سورة فاتحة الكتاب ، وسورة الكهف . . فما ورد في خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّما هو انسجام مع إسلوب القرآن الكريم وكلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
أمّا الشكّ السادس عشر : من الشكوك الموجّه إلى جمع الشريف الرضي : إنّ هذه الخطب المنقولة في النهج لو كانت صادرة عن الإمام ومن كلماته ، لكانت موجودة قبل تصنيف الشريف الرضي .
وهذا الإشكال ذكره محمّـد كرد علي في كتابه الإسلام والحضارة العربية(1) نقلا عن كتاب منهاج السنّة لابن تيميّة .
لقد تقدّم بحثنا في الردّ على مَن أورد هذا ، الشكّ وأثبتنا في الصفحات السابقة بطلانه ، كما أوردنا أسماء عدّة مجاميع لخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) عاش مصنّفوها قبل الشريف الرضي بعشرات السنين فراجع .
وخلاصة ما يمكن أن يقال في الإمام عليّ ونهجه ما ذكره لنا الأستاذ محمّـد أمين النواوي قال : « لقد كان عليّ في خطبه المتدفّقة يمثّل بحراً خضمّاً من العلماء الربّانيّين وأسلوباً جديداً لم يكن إلاّ لسيّد المرسلين ، وطرق بحوثاً من التوحيد لم تكن تخضع في الخطابة إلاّ لمثله ، فهي فلسفة سامية لم يعرفها الناس قبله ، فدانت لبيانه وسلست في منطقه وأدبه ، وخاض في أسرار الكون ، وطبائع الناس ، وتشريح النفوس ، وبيان خصائصها وأصنافها ، وعرض لمداخل الشيطان ومخارجه ، وفتن الدنيا وآفاتها ، في الموت وأحواله ، وفي بدء الخلق ، ووصف الأرض ، وفي شأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإسلام والحضارة العربية 2 / 61 .

صفحه 89
السماء وما يعرج فيها من أملاك ، وما يحفّ بها من أفلاك ، كما عرض لملك الموت وأطال في وصفه .
وخطب عليٍّ في السياسة ، وفي شؤون البيعة والعهد والوفاء ، واختيار الأحقّ وما أحاط بذلك من ظروف ، كتحكيم صفّين وما تبعه من آثار سيّئة وتفرّق الكلمة .
ولم يفته أن ينوّه في خطبه بأنصار الحقّ ، وأعوان الخير ، والدعاة إلى الجهاد ، وفيها محاجّة للخوارج ونصحه لهم ولأمثالهم بإتّباع الحقّ وغير ذلك ممّا يكفي فيه ضرب المثل ، ولفت النظر .
غير أنّ ناحية عجيبة امتاز بها الإمام ، هي ما اختصّ بها الصفوة من الأنبياء ومَن على شاكلتهم كانت تظهر في بعض تجلّياته ، وأشار إليها في بعض مقاماته ، ولم يسلك فيها سواه إلاّ أن يكون رسول الله صلوات الله عليه .
فقد ذكر كثيراً من مستقبل الأمّة ، وأورد ما يكون لبعض أحزابها كالخوارج وغيرهم ، ومن ذلك وصفه لصاحب الزنج ، وذكر الكثير من أحواله وذلك من غير شكّ لون من الكرامات .
هذا إلا أنّه طرق نواحي من القول كانت من خواصّ الشعر إذ ذاك ولكنّه ضمّنها خطبه فوصف الطب ، وعرض للخفّاش وما فيه من عجائب ، والطاووس وما يحويه من أسرار ، وما في الإنسان من عجائب الخلق ، وآيات المبدع الحقّ وأحيلك في ذلك كلّه على نهج البلاغة .
وهكذا تجد في كلام عليٍّ الدين والسياسة والأدب ، والحكمة ، والوصف العجيب ، والبيان الزاخر .
هذا كتاب عليٍّ إلى شريح القاضي يعظه ، وقد اشترى داراً ويحذّره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 90
من مال المسلمين ، في معان عجيبة ، وأسلوب خلاّب .
وهذا كتابه إلى معاوية يجادله في الأحقّ بالخلافة ، وقتل عثمان في معان لا يحسنها سواه .
وتلك كتبه إلى العاملين على الصدقات يعلّمهم فيها وإجباتهم في جميع ملابساتهم .
وذلك عهده إلى محمّـد بن أبي بكر حين قلّده مصر . وتلك وصيّته إلى الحسن عند منصرفه من ( صفّين ) لم يدع فيها معنى تتطلّبه الحياة لمثله إلا وجّهه فيها أسمى توجيه ، في فلسفة خصيبة ، وحكم رائعة مفيدة ، وكلّ تلك النواحي والأغراض في معان سامية مبسّطة ، يعلو بها العلم الربّاني الغزير ، والروح السامية الرفيعة ، وتدنو بها تلك القوّة الجبّارة على امتلاك أزمّة القول ، كأنّما نثل كنانته بين يديه فوضع لكلّ معنىً لفظة في أدقِّ استعمال .
ولقد يضيق بي القول فأقف حائراً عاجزاً عن شرح ما يجول بنفسي من تقدير تلك المعاني السامية فيسعدني تصوير الإمام ـ محمّـد عبده ـ له وهو يقدّم نهج البلاغة : « فكان يخيّل إليّ في كلّ مقام أنّ حروباً شبّت ، وغارات شنّت ، وأنّ للبلاغة دولة وللفصاحة صولة . . . »(1) .
أما الأسلوب فيتجلى لك بما يأتي :
1 ـ الثروة من الألفاظ العربية في مفردها وجمعها ، ومذكرها ومؤنّثها ، وحقيقتها ومجازها .
2 ـ المجازات والكنايات في معرض أنيق ، وقالب بديع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة نهج البلاغة .

صفحه 91
3 ـ الإيجاز الدقيق مع الإطناب في مقامه ، وظهر ذلك في فقره ، وسجعاته الفريدة ، التي يجمل بكلّ أديب أن يحفظ الكثير منها ليكون بيانه التكوين العربي السليم .
4 ـ المحسّنات البديعيّة في نمط ممتاز ، من جناس إلى طباق وترصيع وإلى قلب وعكس ، تزدان بجمالها البلاغة ويكمل بها حسن الموقع .
5 ـ الجرس والموسيقى ، وجمال الإيقاع ممّا يدركه أهل الذوق الفنّي .
ويحسن قبل الختام أن أشير إلى ما نوّه به صاحب الطراز الإمام يحيى اليمني ، فقد تكرّر ذلك في عدّة مناسبات وأوّلها تمثيله للبلاغة في أوّل كتابه ، قال : « فمن معين كلامه ارتوى كلّ مصقع خطيب ، وعلى منواله نسج كلّ واعظ بليغ ، إذ كان عليه السلام مشرع البلاغة ، وموردها ، ومحط البلاغة ومولدها وهيدب مزنها الساكب ومتفجر ودقها الهاطل »(1) .
وعن هذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلامه : « نحن أمراء الكلام ، وفينا تشبّثت عروقه ، وعلينا تهدّلت أغصانه »(2) ، ثمّ أورد مثالاً من أوّل خطبة في نهج البلاغة وقال : « العجب من علماء البيان والجماهير من حذّاق المعاني كيف أعرضوا عن كلامه وهو الغاية التي لا مرتبة فوقها ، ومنتهى كلّ مقصد في جميع ما يطلبونه ، من المجازات والتمثيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الهيدب من السحاب : المتدلّي الذي يدنو من الأرض ، وتراه كأنّه خيوط عند انصباب المطر . والودق : المطر . قال تعالى : ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ )سورة الروم 30 : 48 .
(2) نهج البلاغة : خطبة 231 .

صفحه 92
والكنايات ؟ »(1) .
وقد أُثر عن فارس البلاغة وأمير البيان الجاحظ أنّه قال : « ما قرع سمعي كلام بعد كلام الله ، وكلام رسوله إلاّ عارضتة إلاّ كلمات لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( كرّم الله وجهه ) فما قدرت على معارضتها وهي مثل قوله : ( ما هلك امرؤ عرف قدره ) و( استغن عمّن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره »(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الطراز ، وجولات إسلامية : 99 ـ 104 .
(2) الكلمات القصار من الحكم والمواعظ لأمير الؤمنين (عليه السلام) .
صفحه 93
مصادر البحث
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ أثر التشيّع في الأدب العربي ، لمحمّـد سيّد الجيلاني ، طبعة القاهرة ، 1945 م .
3 ـ الإحتجاج ، للشيخ الطبرسي ( المتوفى بعد سنة 588 هـ ) ، مؤسّسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان ، 1983 م .
4 ـ الأخبار الطوال ، لأبي حنيفة الدينوري ( ت 290 هـ ) ، تحقيق : عبـد المنعم عامر والدكتور جمال الدين الشيّال ، القاهرة ، مصر 1960 م .
5 ـ أخبار شعراء الشيعة ، للمرزباني أبو عبيد الله محمّـد بن عمران ( ت 385 هـ ) ، 1965 م .
6 ـ الأربعون حديثاً ، لمنتجب الدين ابن بابويه ، علي بن عبيد الله من أعلام القرن السادس الهجري ، مطبعة امير ، قم ، ايران 1408 هـ .
7 ـ إرشاد القلوب ، للديلمي ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، إيران 1398 هـ .
8 ـ الإرشاد ، للشيخ المفيد ( ت 413 هـ ) ، المكتبة العلمية ، طهران ، إيران .
9 ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، لابن حجر أحمد بن علي ( ت 852 هـ ) ، المطبعة الشرقية ، مصر .
10 ـ أضواء على السنّة المحمّـدية ، لمحمود ابوريّة ، دار الكتاب الإسلامي ، بيروت ، لبنان 1985 م ، وطبعة مصر .
11 ـ الإقتصاد الهادي إلى طريقة الرشاد ، للشيخ الطوسي ، مطبعة خيّام ، قم ، إيران 1400 هـ .
12 ـ إعانة الطالبين ، للبكري : عثمان بن محمّـد الدمياطي ( ت 1302 هـ ) ، مصر ، 1307 هـ ، والحاشية طبعة بيروت ، دار الفكر .
13 ـ الامامة والسياسة ، لابن قتيبة : محمّـد بن عبـد الله بن مسلم الدينوري ( ت 276 ) ، ط مصطفى البابي الحلبي 1969 م وطبعة الشريف الرضي ، قم ، ايران .
14 ـ أمالي الطوسي ، لمحمّـد بن الحسن ( ت 460 هـ ) ، مؤسّسة البعثة ، ط1 ، قم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 94
15 ـ الأوائل ، لأبي هلال العسكري ( ت 395 هـ ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، 1987 م .
16 ـ البحار ، للعلاّمة المجلسي ( ت 1111 هـ ) ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت ، لبنان 1983 م .
17 ـ البيان والتبيين ، للجاحظ ، تحقيق عبـد السلام هارون ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
18 ـ تاريخ آداب اللغة العربي ، لجرجي زيدان ، دار الهلال ، بيروت ، لبنان 1957 م .
19 ـ تاريخ الأدب العربي ، لشوقي ضيف ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، 1996 م .
20 ـ تاريخ الطبري ، لمحمّـد بن جرير ( ت 310 هـ ) ، طبعة قم وطبعة إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان .
21 ـ تاريخ المغرب الكبير ، للشيخ محمّـد علي دبوز ، دار إحياء الكتب العربية ، بيروت ، لبنان ، 1963 م .
22 ـ تذكرة الخواص ، لسبط ابن الجوزي الحنفي ( ت 654 هـ ) ، طبعة قم ، إيران وطبعة مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام) ، بيروت ، لبنان 1981 م .
23 ـ تلخيص التحبير ، لابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان 1986 م .
24 ـ تقريب المعارف ، لأبي صلاح الحلبي ( ت 447 هـ ) ، قم ، إيران 1404 هـ .
25 ـ تهذيب التهذيب ، لابن حجر العسقلاني ( ت 582 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
26 ـ تنوير الحوالك على شرح موطأ مالك ، للسيوطي جلال الدين عبـد الرحمن ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
27 ـ جامع البيان ، لابن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان 1415 هـ .
28 ـ الجامع الصحيح ، للترمذي محمّـد بن عيسى ( ت 279 هـ ) ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان .
29 ـ الجمع بين الصحيحين ، مصوّرة مكتبة الإمام الحكيم العامّة رقم 123 ، النجف ، عراق .
30 ـ جولات اسلامية ، لمحمّـد أمين النواوي .
31 ـ الخصال ، للشيخ الصدوق ( ت 381 هـ ) ، جامعة المدرسين ، قم ، إيران 1403 هـ ، ومؤسسة الاعلمي بيروت ، لبنان 1410 هـ .
32 ـ الدرجات الرفيعة ، للسيّد علي خان ، المتوفّى 1121 هـ ، مكتبة بصيرتي ، قم ، إيران .
33 ـ الدعوات ، لقطب الدين الراوندي : سعيد بن هبة الله ( ت 573 هـ ) ، دار المرتضى ، بيروت ، لبنان 1987م .
34 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، لآغا بزرك الطهراني ( ت 1970 هـ ) ، طبعة الغري ، النجف ، العراق 1936 م .
35 ـ سفينة البحار ، لعباس القمّي ، دار الأُسوة ، قم ، إيران 1422 هـ .
36 ـ سنن ابن ماجة ، لأبي عبـد الله محمّـد بن يزيد ( ت 275 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
37 ـ سنن النسائي ، لأحمد بن شعيب ( ت 303 هـ ) ، ط 1 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
38 ـ الشافي ، للمرتضى علم الهدى ( ت 436 هـ ) ، مؤسّسة الصادق ، طهران ، إيران .
39 ـ شجرة طوبى ، لمحمّـد مهدي الحائري ، المكتبة الحيدرية ، النجف ، عراق .
40 ـ شرح مائة كلمة ، لابن ميثم البحراني ( ت 679 هـ ) ، جامعة المدرّسين ، قم ، إيران .
41 ـ شرح النهج ، لابن أبي الحديد ، تحقيق : محمّـد أبو الفضل ، طبعة بيروت في أربع مجلّدات وطبعة جديدة ، دار إحياء الكتب العربية ، بيروت ، لبنان 1965 م .
42 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن ميثم البحراني ، ( ت 679 هـ ) ، جامعة المدرسين ، قم ، إيران . دفتر تبليغات اسلامي ، ط1 .
43 ـ صحيح البخاري ، لمحمّـد بن إسماعيل ( ت 256 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
44 ـ صحيح مسلم ، لمسلم بن الحجّاج النيسابوري ( ت 261 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
45 ـ الصراط المستقيم ، للبياضي : علي بن يونس العاملي ( ت 877 هـ ) ، المكتبة المرتضوية لاحياء التراث .
46 ـ الطبقات الكبرى ، لابن سعد ( ت 30 هـ ) ، طبعة بيروت ، وليدن .
47 ـ الطراز ، يحيى بن حمزة العلوي اليمني ، مؤسسة نصر ، طهران ، إيران .
48 ـ العقد الفريد ، لابن عبـد ربّه الاندلسي المالكي ( ت 328 هـ ) ، المطبعة الأزهرية ، القاهرة ، مصر 1321 هـ .
49 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ، للشيخ الصدوق : محمّـد بن علي ( ت 381 هـ ) ، ط 2 ، قم ، إيران .
50 ـ الغارات ، لإبراهيم بن محمّـد الثقفي الكوفي ( ت 283 هـ ) ، مطبعة بهمن ، قم ، إيران .
51 ـ الفتنة وواقعة الجمل ، أحمد راتب بمرموش ، دار النفائس ، بيروت ، لبنان 1972 م .
52 ـ الفتوح ، لأبي الحسن علي بن الحسين الهاشمي المدائني .
53 ـ الفتوح ، لأبي محمّـد أحمد بن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) ، حيدرآباد ، الهند 1388 هـ .
54 ـ فجر الإسلام ، لأحمد أمين ، ط 8 ، القاهرة ، مصر .
55 ـ فرائد السمطين ، للحافظ شيخ الإسلام إبراهيم الجويني الشافعي ( ت 730 هـ ) ، مؤسسة المحمودي ، بيروت ، لبنان 1978 م .
56 ـ الفصول المهمّة ، للسيّد شرف الدين ( ت 1377 هـ ) ، ط 7 ، دار الزهراء ، بيروت ، لبنان .
57 ـ فقه السنّة ، للسيّد سابق ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان 1987 م .
58 ـ الفنّ ومذاهبه في النثر العربي ، لشوقي ضيف ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، مصر 1946 م وطبعة اُخرى 1955 م .
59 ـ فهرست ابن النديم ، لمحمّـد بن إسحاق ( ت 377 هـ ) ، تحقيق : رضا نجدوي ، ط 3 ، طهران ، إيران .
60 ـ فهرست الطوسي ، للشيخ الطوسي : محمّـد بن الحسن ( ت 460 هـ ) ، منشورات الرضي ، قم ، إيران .
61 ـ الفوائد الرجالية ، للسيّد بحر العلوم ، مطبعة آفتاب طهران ، إيران ، 1363 ش .
62 ـ الكامل للمبرّد ، لأبي العبّاس عمر بن يزيد البصري ( ت 285 هـ ) ، دار العهد الجديد ، القاهرة ، مصر .
63 ـ كتاب الأموال ، لأبي عبيدة القاسم بن سلام ( ت 224 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان 1988 م .
64 ـ كشف اللثام ، للفاضل الهندي بهاء الدين محمّـد بن الحسن الاصفهاني ، مؤسسة النشر الاسلامي ، قم ، إيران 1416 هـ .
65 ـ كنز العمال ، للفاضل المتّقي الهندي ( ت 975 هـ ) ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان 1989 م .
66 ـ الكنى والألقاب ، لعبّاس القمّي ، ط صيدا ، لبنان ، قم ، إيران والنجف ، العراق .
67 ـ لسان الميزان ، لابن حجر ( ت 852 هـ ) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان 1390 هـ .
68 ـ مجمع الزوائد ، للهيثمي ( ت 807 هـ ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان 1408 هـ .
69 ـ مجمع الفائدة ، للمحقّق الأردبيلي ( ت 993 هـ ) ، جامعة المدرّسين ، قم ، إيران .
70 ـ المجموع ، لمحيي الدين النووي ( ت 676 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
71 ـ المحلّى ، لابن حزم ( ت 456 هـ ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
72 ـ محمّـد المثل الكامل ، للاستاد محمّـد جاد المولى بك ، دار الكتب المصرية ، القاهرة 1931 م .
73 ـ مدارك الأحكام ، للعاملي : محمّـد بن علي ( ت 1009 هـ ) ، طبعة حجرية 1268 هـ .
74 ـ مرآة الجنان ، لليافعي عبـد الله بن سعد اليمني المكّي ( ت 768 هـ ) ، مؤسّسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان 1970 م .
75 ـ المراجعات ، لشرف الدين عبـد الحسين ( ت 1377 هـ ) ، ط بيروت وطبعات اُخرى .
76 ـ مروج الذهب ، للمسعودي : عليّ بن الحسين ( ت 333 هـ ) ، تحقيق : محمّـد محيي الدين عبـد الحميد ، ط 1 ، القاهرة ، مصر .
77 ـ المستدرك ، للحاكم النيسابوري ( ت 405 هـ ) ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .
78 ـ المسند ، لأحمد بن حنبل ( ت 241 هـ ) ، دار صادر ، بيروت ، لبنان .
79 ـ مشاكلة الناس لزمانهم ، لابن واضح أحمد بن إسحاق اليعقوبي المؤرخ ، تحقيق وليم مِلوَرد ، دار الكتاب الجديد ، بيروت ، لبنان 1980 م .
80 ـ المناظرات في الإمامة ، لعبد الله بن الحسن ، ط 1 ، أنوار الهدى ، قم ، إيران 1415 هـ .
81 ـ مناقب آل أبي طالب ، لابن شهرآشوب المازندراني ( ت 588 هـ ) ، المطبعة العلمية ، قم ، إيران .
82 ـ مناقب الخوارزمي ، لأبي المؤيّد ، ط تبريز ، وطبعة مؤسسة النشر الاسلامي ، قم ، إيران 1414 هـ .
83 ـ منتهى المقال ، لمحمّـد بن إسماعيل المازندراني ( ت 1216 هـ ) ، تحقيق مؤسّسة آل البيت ، مطبعة ستارة ، قم ، إيران .
84 ـ منهاج السنّة ، ابن تيميّة أحمد بن عبـد الحليم ، ط مصر وطبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان .
85 ـ ميزان الاعتدال ، للحافظ : شمس الدين الذهبي ( ت 748 هـ ) ، دار المعرفة ، بيروت .
86 ـ النثر الفنّي ، للدكتور زكي مبارك ، القاهرة ، مصر 1934 م و1957 م .
87 ـ نسمة السحر ، ليوسف بن يحيى الصنعاني ( ت 1121 هـ ) ، دار المؤرّخ العربي بيروت ، لبنان 1999 م .
88 ـ نظرات في الكتب الخالدة ، لحامد حنفي داود ، ط 1 ، مطبعة النجاح القاهرة ، مصر 1399 هـ .
89 ـ نظم درر السمطين ، محمّـد بن يوسف الزرندي ( ت 747 هـ ) ، مخزن الاميني ، النجف ، العراق 1958 م .
90 ـ نهج البلاغة ، تحقيق محمّـد عبده ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .
91 ـ نهج السعادة ، لمحمّـد باقر المحمودي ، دار التعارف ، بيروت ، لبنان 1976 م . وطبعات أخرى 1966 و1977 م .
92 ـ الوافي بالوفيات ، للصفدي : صلاح الدين ( ت 764 هـ ) ، تحقيق هلموث ، 1962 م وط 1974 م .
93 ـ وسائل الشيعة ، للحرّ العاملي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان 1982 م .
94 ـ وضوء النبي (عليه السلام) ، للسيِّد علي الشهرستاني ، قم ، إيران 1415 هـ .
95 ـ وفيات الأعيان ، لابن خلّكان أحمد بن محمّـد ( ت 681 هـ ) ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، إيران 1364 هـ . ش .
96 ـ وقعة صفّين ، لنصر بن مزاحم المنقري ( ت 212 هـ ) ، تحقيق عبـد السلام هارون ، المؤسّسة العربية الحديثة ، القاهرة ، مصر 1382 هـ .
97 ـ ينابيع المودّة ، للقندوزي ( ت 1294 هـ ) ، دار الأسوة ، قم ، إيران 1416 هـ .